يغمض عينين في لحظات سرقها من زمن لاهث حنون سريع ويحلم، نعم، «لسه الأحلام ممكنة»، فلا أحد يجرؤ على أن يصادر الأحلام، وغالباً ما تكون أحلاماً بسيطة ساذجة تمر بالخاطر والوجدان كسحابة صيف هشة أو كنبع صافٍ بكر لم يلوث بعد، وغالباً لا تتحقق هذه النوعية من الأحلام، لأن أصحابها راضون كل الرضا بواقع شرس.

يبدو أن زمن الحلم البسيط الساذج وليَّ، ربما لأن وراء إغماضة العين يرحل الإنسان مرحلة نوم عميق من دون أن يمر بمراحل النوم التي أثبتها العلم مؤخراً، فالإرهاق يصادر حتى إمكانية الحلم. قفزة عالية لا يقدر عليها سوى العمالقة، هي نتاج طموحات تجاوزت الأحلام بكل درجاتها، بدأت قديماً.. قديماً عندما بلغ الطموح الإنساني أن يقتني صاحبه سيارة، أي سيارة. فقط لتقصر عليه المسافات، وتتوالى القفزات، وتتبعها سيارات وسيارات فخمة وفارهة لأكبر شركات إنتاج السيارات في العالم، منها السيارات الإنجليزية والكلاسيكية والألمانية العملية والفرنسية ذات الدلال، الذي يعكس جماليات الشعب الفرنسي.

ولكن أحداً لم يحلم أو يطمح في قفزاته العالية، بأن تلك السيارات ستكون يوماً جاليرهات متجولة على عَجَل، فاقت الطموحات والأحلام وربما التوقعات، فالغد دائماً يحمل معه كل غريب وجديد وربما غير مفهوم!تقودنا في عالمنا العربي وخاصة في مصر الكتابة على السيارات خاصة النقل السريع، عبارات طريفة، تنبع من فن النكات الموجودة تلقائياً في الشعب المصري، من هذه العبارات الطريفة «يا ناس يا شر كفاية قرّ»، «ما تبصوش لي بعين رضية بُص للي اندفع فيا»، والمسرحية الشهيرة «شاهد ما شافش حاجة» لعادل إمام، تعرضت المسرحية لعبارة مكتوبة فوق سيارة نصف نقل كشفت المجرم وراء قتل الراقصة.

ولأن طفرة هائلة يمر بها العالم، لابد وأن يكون لها العديد من الظواهر، منها الغريب وهذا الغريب منه الرسم على السيارات مع اختلاف أنواعها وأحجامها. اختفى رسم كف بأصابع خمس لمنع الحسد، اختفى من على السيارات، وحل محله رسومات تحاكي لوحات تشكيلية ليس بعينها وإنما في منهج الرسم ذاته. تعتبر روسيا من أوائل البلدان في العالم التي ابتكرت فن الرسم على السيارات، وخاصة سيارات السباق التي اشتهرت بها العاصمة الروسية، «موسكو»، والتي تعتبر الرائدة في مجال سباقات السيارات، وتبث قناة فضائية خاصة بذلك.ولكن كيف ولماذا بدأت فكرة الرسم على السيارات في روسيا؟

يلجأ بعض أصحاب السيارات في موسكو لاستخدام وسيلة تحويل سياراتهم إلى لوحات فنية تسير على أربع عجلات، في البداية كانت هذه الفكرة من أجل حماية السيارة من السرقات المتكررة، لأنها ستكون مميزة يصعب على السارق الاحتيال والسرقة، وهي فكرة تشبه التأمين على السيارات ولكن التأمين بطريقة فنية مبتكرة.

أما البُعد الجمالي والفني لسيارات موسكو التي تحولت للوحات «تتزلج على جليد العاصمة» وغيرها من البلاد الروسية، بدأ بأن الفنانين المتخصصين في هذا المجال باستبدال ريشتهم التقليدية بأخرى هوائية عن طريقها يمكن للفنان رسم وتشكيل لوحات جميلة على هيكل السيارة المعدني، ومن هنا تصبح لكل سيارة بصمتها الخاصة حتى وإن كانت من ماركة واحدة.

وفن الرسم على السيارات هو عمل فني تختلط معه الحرفية، حرفية توجيه الرسم على الهيكل المعدني، لإخفاء أبعاد مختلفة للسيارات، فهناك سيارات يرسم عليها أشكال لحيوانات شرسة، تلقي الرعب في قلوب الناس، خاصة على الطرق السريعة التي تربط بين المدن الروسية المختلفة، خاصة ليلاً لأن كشافات النور المثبتة على السيارة من الأمام والخلف يمكن أن تعكس فكا لحيوان مفترس كالنمر والأسد أو لسمك القرش بأسنان كالمنشار الحاد، فمع تقليب الضوء يحدث صدمة رهبة وخوف على امتداد الطريق السريع.

وهناك فنانون من ذوي الإحساس المرهف، يعكسون برسمهم على هيكل السيارات مناظر طبيعية جميلة، أو رسوم تجريدية لها قراءات متعددة، حسب كل شخصية، بالإضافة لذلك هناك رسومات تنفذ بفن الجرافيك.

ولأننا في عالم متغير الثوابت نفسها أصبحت عُرضة للتغيير والتبديل، فكانت وما زالت نسبياً معارض وجاليريهات الفنون التشكيلية تستقبل كل مرهف الحس للاستمتاع بجولات فنية لكبار الفنانين والمبتدئين أيضاً، ولاحترام المناسبة، مناسبة افتتاح المعارض الفنية والأيام التي تلي الافتتاح لابد وأن يكون الدخول بالملابس الرسمية إذا كان الافتتاح بعد الغروب، احتراماً للفن وعشاقه ممن يحترمون أنفسهم، تدريجياً اختفت الملابس الرسمية، ومعها قلّ زوار المعارض، وبقيت اللوحات تواس فنانيها ورساميها معارض من نوع آخر تحاكي الوجبات السريعة، معارض للحركة على الطرقات تزيد سرعتها المئة/الساعة، معارض على أربع عجلات، إنها سيارات كل الفنون، وأيضاً يخصص بعض الفنانين ساحات كبيرة لعرض السيارات ذات الرسومات المختلفة ويجري سحوبات على أجمل وأيضاً أغرب رسم، والعائد يتقاسم صاحب السيارة والفنان معاً.

والرسم على السيارات خلق فريقين من النقاد، فريق يعارض الفكرة بحجة انه عن طريق الناظرين إليها وهم في سياراتهم قد يتعرضون لحوادث مرورية لشدة انتباههم للرسم على سيارات بجوارهم، ونقاد يحبذون الفكرة ويعتبرونها نوعا من الإبداع، وكأنها متاحف في الهواء الطلق أو معارض تبلغ سرعتها مئة/الساعة.

والطريف أن رسومات السيارات هذه تتغير أحياناً من مناسبة لأخرى، ففي عيد الحب نجد السيارات خاصة في دول وسط أوروبا تتحول إلى قلب باللون الأحمر وباقات زهور مرسومة بلون الذهبي المؤكسد، وعبارات رقيقة مرسلة لعشاق العالم، وفي الاحتفال بأيام الزهور ـ وهو عيد معروف في كل من هولندا وألمانيا، لعشقهم للزهور واعتبارها رمزا من رموز الحضارة الإنسانية، تجوب الشوارع سيارات اختفت ملامحها تحت رسومات الزهور المختلفة أهمها زهور «التيوليب» و«البونسيه» و«الجلاديول» و«زهرة الجلوكي» وهي زهرة تزرع في ألمانيا وأيضاً تنبت فيها تلقائياً لخصوبة الأرض، وكلمة «جلوكي» تعني «الجرس».

ولا يخلو هذا الفن من غرائب وعجائب أيضاً، منها على سبيل المثال الرسم بأصابع اليد على السيارات التي طالت تواجدها داخل ساحات الانتظار لدواعي سفر أصحابها، فيكسوها الغبار أو الثلوج، فتخصص بعض من الفنانين بالرسم على الغبار رسوماً كاريكاتيرية ساخرة تدعو لمزيد من الاهتمام بالسيارة مثل «أرجوك اغسلني»، «رجاء أزح الثلج عني.. أشعر ببرد شديد»!!

وأول من أبدع ذلك الرسام الأميركي «سكوت وين»، فكان منذ صغره يهوى الرسم بأصابعه على الزجاج في الشتاء، ثم تدرجت هوايته هذه ليرسم بأصابعه على السيارات التي يعلوها الغبار والثلج أو مياه الأمطار الغزيرة، وكان أحياناً يستخدم أعواد الشجر الصنوبرية التي تكثر زراعتها في أوروبا وأميركا وكندا وهي الشجرة التي تزين داخل المنازل والفنادق في الكريسماس.

واليوم، يرسم «سكوت وين» بحرفية ومهنية على السيارات باستخدام فرشاة جافة ومن دون استخدام دهانات ملونة، كل ما يفعله هو الرسم فوق الغبار والثلج بالفرشاة لتوضيح الصورة التي يريد رسمها.

من أشهر رسوماته التي تعكس حسه الفني المرهب رسمه للوحة الفنان «يوهان فيرميه» التي رسمها في القرن السادس عشر باسم «الفتاة ذات القرط اللؤلؤي» وهي واحدة من أشهر اللوحات العالمية، النسخة الأصلية منها تزيين متحف أمستردام ونسخ أخرى يتهافت عليها الأثرياء في صالة مزادات سوثبي اللندنية وسط عاصمة الضباب.

وتقام حالياً في الولايات المتحدة الأميركية معارض متخصصة في عرض سيارات فنية الرسومات ومعارض أخرى لسيارات أيضاً مرسوم عليها معروضة للبيع، وتعكس الرسومات لتلك السيارات التي يراد بيعها، شكل رجل مُفْلس خاوي الجيوب من الدولارات، أو رسم وجه بائس من الفقر، والغريب أن مثل هذه الأفكار لاقت رواجاً كبيراً في سوق بيع السيارات المستعملة في الولايات المتحدة.

أيضاً طالت رسومات السيارات حافلات المدارس الأميركية حيث تعكس الرسومات عليها نسبة الرعاية والعناية بالطلاب. أما الشباب الأميركي فله منطقه في الرسم على السيارات حيث يرسم عليها «سباير رمان» رمز القوة والهيمنة، ورسومات أخرى تجسد أنجح الأفلام الفائزة بالأوسكار، الرسومات الكرتونية لها مكانة في عالم الرسم على السيارات، حيث يطلب الصغار من والدهم إرسال السيارة لفنان بعينه قد تخصص في الرسم الخاص بأفلام الكرتون المحببة لدى الصغار.

وسيارة الفولكس فاجن الألمانية الشهيرة التي تعني كلمة «فولكس فاجن بالألمانية» سيارة الشعب، هذه السيارة دخلت تاريخ السينما العالمية بأفلام عدة منها «هيري جوز بانانا»، أي سيارة «هيربي المجنونة»، والذي أنتج عام 1980 من إخراج «فينست ماكفيتي»، وفيلم «ذي لاف باج» أو الخنفساء المحبوبة، أنتج عام 1968 من إخراج «روبرت ستيفنس» وفيلم «هيربي جوز تومونت كارلو»، «هيربي في مونت كارلو» أنتج عام 1977 من إخراج فينست ماكفيتي أيضاً، و«هيربي فوللي لوديد» عام 2005 من إخراج أنجيلا روبنسون.

وتعتبر مجموعة أفلام ومسلسلات هيربي واحدة من أنجح الأفلام والمسلسلات، يرجع السبب في ذلك إلى أن جميعها من أفلام «الأكشن» والمغامرات والرحالات تلعب بطولتها سيارة صغيرة ألمانية أحبها كل من اقتناها، وزاد في حبها عندما شاهدها تجسد ذاتها من خلال الشاشة في أفلام طويلة أو عبر التلفزيون.

وربما لطبيعة تصميمها ذي المستديرات التي تشكل هيكلها أصبحت متفردة بين سيارات العالم، بالإضافة إلى تطويع هيكلها للرسم على كل جزء منه رسومات مختلفة.

وكل من اقتنى هذه السيارة وقع في غرامها ربما لأن شكلها يعكس بأنها مشاغبة، أو تكوينها الصغير يوحي بالخصوصية، ففي النهاية هي سيارة جديرة بالبكاء عليها عند الاضطرار لبيعها.

وهناك نوعية من الرسوم على السيارات تختلف نسبياً عن استخدام الفرشاة والألوان، ويعتبر الفنان التشكيلي هاشم سلطان الذي اثار ضجة ودهشة الناس وأيضاً الفنانين عندما استخدم إطارات السيارات لإنجاز أعماله الفنية على السيارات، وفنه يغلب عليه الطابع التجريبي.

وقام بعرض فنونه على السيارات مع مجموعة من الفنانين الشبان منهم سناء عباس وعلا حجازي، ولكن النقاد وصفوا فنه بأنه فن صادم يفتقر للجماليات، لأن القطع البلاستيكية وقطع إطارات السيارات التي تقطع صغيراً وتدخل في التصميم الفني لا تلاقي إقبالاً من الجمهور، فهي منفّرة إلى حد كبير حتى وإن أصبحت جزءاً حيوياً من عمل تشكيلي فني.

ولم يقتصر فن الرسم على السيارات مؤخراً على الفنانين فقط، وإنما أيضاً شرع الشباب من أصحاب السيارات لتجميل سياراتهم بفن الملصقات، فإذا كان الشاب يعمل في مجال هندسة المعمار يلصق على سيارته ملصقاً لناطحة سحاب أو بناية من الزجاج وهو نمط هندسي يعرف باسم الفن المعماري المفرط في الحداثة، برعت فيه طوكيو والعديد من دول جنوب شرق آسيا. والشباب من العاملين في مجال الطب البيطري يلصقون على سياراتهم ملصقات لحيوانات شرسة أو أليفة حسب شخصية الشاب وتوجهاته.

أما السيارات التي يزف فيها العروسان، فهي ترسل لمحلات الزهور الكبرى في العواصم العربية والغربية لتغطية السيارة جميعها بالزهور، حسب الاتفاق مع العروسين عن نوعية الزهور المرغوب فيها والمحببة إليهما، فتتحول السيارة إلى كيان زهري فاره يسر الناظرين إليه وأولهم العروسين، فهذا النمط يعكس رقة وفخامة يلقيان بليلة العمر، وتصور السيارة عند مصوراتي محترف قبل ان يصور صورة الزفاف للعروسين.. جميعها مظاهر، لم تخطر قط في حلم بسيط وساذج يبدأ بعد إغماضة الجفنين.

منى مدكور