شبح الأزياء الإسلامية يغزو أوروبا منذ العباءة والطربوش وصولاً إلى الحجاب والبرقع الذي لم تنطفئ معركته في فرنسا بعد، لتعود مشتعلة مع لباس البحر الإسلامي «البوركيني» المشتق من كلمتي البرقع والبكيني ولهما من الدلالات ما يكفي لتغذية الخيال بما تعنيه الحالة المشهدية لكل منهما، حيث إن البوركيني هو صيغة توفيقية بين لباس البحر المثير والشهير في آن، «البيكيني»، والبرقع الإسلامي الأشهر في صيف أوروبا السياحي، ويرجع فضل اختراع البوركيني ـ لباس بحر «شرعي» للبنانية مقيمة في أستراليا.

لقد كانت الثياب باستمرار من علامات الاندماج الثقافي مع الآخر جغرافياً، وعدم تقبل لباس الاخرين يدل على أنهم لم يدخلوا المجتمع بصيغة كاملة كما نظرت إليها قيم التنوير الأوروبية، وإذا كانت أوروبا تعيش عصر تنوير وتنتج ثقافة انفتاحية على الغرب، فإن العرب ( إسلامياً ) لا يقدمون لذلك الانفتاح سوى الرفض والاعتراض وبالتالي يحدث هذا الصدام الحضاري الذي يترجمه «البعض» عنفاً مشتركاً لا يفرق بين الأبرياء والمذنبين، وإذا كانت هجمات 11 سبتمبر لم تفرق بينهم فإن أميركا لم توفر ذات الوسيلة عندما ردت في أفغانستان والعراق كما تفعل إسرائيل على الدوام في فلسطين وحماقاتها الأخرى في لبنان.

وفي لهيب أغسطس الماضي، سجّلت الدنمارك سابقة تاريخية في القارة، عندما قَبِل قاضٍ في العاصمة كوبنهاغن شهادة امرأة ترتدي النقاب في إحدى الدعاوى القضائية، بينما يمنع القانون الدنماركي ارتداء حتى القبّعة والنظارات الشمسية داخل قاعة المحكمة.

وهذا سلوك قضائي «انفتاحي» تجاه المسلمين أجّج غضب الكثيرين، وخصوصاً الحزب المحافظ الحاكم الذي يسعى إلى منع ارتداء النقاب والبرقع في الأماكن العامة، وكذا الأمر في السويد وإيطاليا، فإنّ ارتداء البرقع محظور «نظرياً» في الأماكن العامة، بينما تنفرد بريطانيا في غياب أي نص قانوني يعالج هذه المسألة، لذلك يبقى ارتداء كل أنواع الأزياء الإسلامية مسموحاً تماماً، أو متروكاً للاجتهادات الشخصية.

فقد منع احد المنتجعات البريطانية خلال الصيف الماضي مرتديات لباس البحر الشرعي «البوركيني» من النزول إلى حوض السباحة، وقام منتجع آخر بتخصيص يوم للـ «البوركينيات» قاطعه باقي المستجمين أطلق عليه «السباحة متعددة الثقافات»، مما يدل على أن البعد الثقافي للمسألة يصبح سياسياً عندما يمس مشهديات الحياة اليومية، لكنه ليس كذلك في الأسواق والمقاهي حيث الساري الهندي والعمامة السيخية وقلنسوات يهودية وغيرها متوفرة ضمن مفهوم السياحة العابرة وليس المشاركة الثقافية السياسية، وتلك هي نظرة الغرب للعالم الاسلامي نظرة سياحية بأفكار جاهزة مستمدة من عالم ألف ليلة وليلة «قديماً»، ومن هجمات 11 سبتمبر «حديثاً».

hussain@albayan.ae