بعد عشر سنوات من اعتقال عبدالله اوجلان، رئيس حزب العمال الكردستاني التركي، لا تزال المسألة الكردية مطروحة بقوة في سياق إقليمي مضطرب، هذا ما يؤكده حميد بوزارسلان، أستاذ التاريخ والعلوم السياسية في كلية الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية بباريس، في مطلع كتابه الذي يحمل عنوان «النزاع الكردي، البؤرة المشتعلة المنسية في الشرق الأوسط».
ويحدد المؤلف هدفه من هذا الكتاب بمحاولة تقديم بعض المفاتيح الضرورية من أجل فهم الديناميات الحالية للمشكلة الكردية على ضوء المسار التاريخي الذي عرفه الأكراد في كل من تركيا وإيران والعراق وسوريا. هذا مع التركيز على مناطق «التداخل الحدودي» وذي الطابع العسكري في مناطق تواجد الأكراد، ويعود المؤلف إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى كي يشرح منذئذ «الدورات التاريخية المتعاقبة التي عرفها التمرّد الكردي.
ولا يتردد حميد بوزارسلان في القول ان وجود «كردستان» تتمتع بالاستقلال الذاتي في العراق منذ عام 1991 يمثل منعطفا مهما من حيث أنه «أعاد تنشيط المجال الكردي». لكنه يؤكد بالمقابل على وجود «تنوّع داخلي» في إطار الهوية الكردية، تنوع لغوي وطائفي ثم يضيف عاملا آخر يزيد من هذا التنوع ويربطه ب«صراع الأجيال» .
حيث يتعارض الحرس القديم المؤلف من «الأعيان السياسيين والعسكريين» مع حرس شاب أكثر راديكالية. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أنه بالتوازي مع «إعادة تنشيط المجال الكردي» جرت «العودة إلى منطق الأمن الجماعي بين سوريا وإيران وتركيا من أجل حماية المجموع من خطر النزعات الانفصالية»، كما يكتب المؤلف.
ولا شك أن كون المؤلف من أصل كردي وأن معرفته للغة الكردية وعلاقاته الشخصية ومعرفته العميقة لمجتمعه وفّرت له مصادر معلومات نادرة. لكن هذا لم يمنعه من تقديم رؤية نقدية لمجتمعه الكردي وحرصه على التحلّي بالدقة والموضوعية وأخذه «المسافة اللازمة» التي تسمح له برؤية أفضل.
ويتم أحد مصادر «الإزعاج» الذي تمثله كردستان في واقع توزع الأكراد بين أربعة دول، هذا مع وجود منطقتين فقط تحملان اسم كردستان، هما كردستان العراق وكردستان إيران، كما تتم الإشارة إلى أن مطالب الأكراد في البلدان الأربعة المعنية تتباين إلى هذه الدرجة أو تلك تبعا للعلاقة مع السلطات المركزية. هذا التباين يجعل المشكلة الكردية ذات أبعاد محلية وإقليمية ودولية بنفس الوقت، وما يعطيها الكثير من الخصوصيات بالقياس إلى المشاكل القومية الأخرى.
ومن المظاهر الأساسية التي يتم التأكيد عليها كون الأقليات الكردية تلقى أشكالا متباينة هي الأخرى من القبول في البلدان المتواجدة فيها. وتأتي التغيرات الثقافية والسياسية والاقتصادية والإستراتيجية لتجعل المطالب الكردية نفسها في حالة «حركة مستمرة».
ومما يزيد من تعقيد المشكلة هناك أيضا التباين في سبل المعارضة وفي مستواها كذلك. هكذا في الوقت الذي كان قد تبنّى فيه حزب العمال الكردستاني في تركيا الكفاح المسلّح ضد الدولة، كانت كردستان العراق تمتلك قواتها المسلحة الخاصة «الخفيفة» المتمثلة في «البشمرغة». كذلك إذا كانت كردستان العراق تتمتع بقدر كبير من الاستقلال الذاتي ومن الاعتراف الدولي فيها، فإن «كردستان التركية» محظور حتى النطق باسمها فكيف فيما يتعلق بنيلها الاعتراف السياسي بوجودها.
ورغم ما تناله المسألة الكردية من اهتمام في وسائل الإعلام، يرى المؤلف أنها «منسية» من حيث الاهتمام ب«الإشكاليات الحقيقية» الخاصة بجذور المشكلة ومحاولة فهم النزاع منذ الأصل وحتى الوقت الراهن وما عرفه من تطورات. وهذا ما يحاول المؤلف التعرّض له مع التأمل حول احتمالات المستقبل القريب والبعيد.
الكتاب : النزاع الكردي البؤرة المشتعلة المنسية في الشرق الأوسط
تأليف: حميد بوزارسلان
الناشر: اوترومون ـ باريس ـ 2009
الصفحات: 172 صفحة
القطع: المتوسط
