يؤكد «تيديان ديوه» في كتابه «تاريخ التليفزيون في إفريقيا السوداء » أن تاريخ التليفزيون في إفريقيا زاخر بالحكايات والقصص والمفارقات التي تجعل منه في الواقع تاريخا متفرّدا، وأن ولادته تمّت بـ «عملية قيصرية» شاقة في ذلك الشهر ـ أبريل ـ من عام 1962.

إن المؤلف يعود إلى تاريخ 27 نوفمبر ـ تشرين الثاني 1962، للحديث عن تلك المغامرة التي عرفت في ذلك اليوم خطوتها الأولى من برازافيل «الكونغو». المغامرة التي يطلق عليها المؤلف تسمية «ملحمة التلفزيون الإفريقي». لم تكن هناك أية قناة تليفزيونية تخص 17 بلدا إفريقيا يتعرّض المؤلف لدراسة واقع التلفزيون فيها، وهي حسب التسلسل الأبجدي اللاتيني بينين وبوركينا فاسو ـ فولتا العليا سابقا ـ وبورندي والكاميرون وإفريقيا الوسطى والكونغو وساحل العاج والغابون وغينيا ومالي ومورتانيا والنيجر والجمهورية الديمقراطية الكونغولية ـ الزائير سابقا ـ ورواندة والسنغال وتشاد وتوغو.هذه البلدان تضم حوالي 220 مليون نسمة وتمتد مساحتها على أكثر من 10 مليون كيلومتر مربع. والمؤلف يتعرّض لتاريخ 50 سنة من التجربة التليفزيونية في هذا المجال الواسع. لكنه يؤرخ فيما هو أبعد من ذلك للواقع «الثقافي» كلّه.

كان قيام التليفزيون «الكونغولي» بارقة استثنائية وانتقلت «العدوى» إلى العواصم الإفريقية الأخرى. ويروي المؤلف أن الجنرال موبوتو، الذي كان قد وصل إلى السلطة في الكونغو عام 1965 قد انفجر غاضبا من النجاح الكبير الذي حققته برامج «الكونغو الأخرى، الصغيرة». وطالب أن تكون له أيضا قناته التليفزيونية. بثت تلك القناة برنامجها الأول بتاريخ 23 نوفمبر ـ تشرين الثاني 1966، أي عشية الذكرى الأولى للانقلاب العسكري الذي قام فيه.

كانت مساعدة فرنسا «حاسمة» في كل مرة، وكانت السنغال هي من بين الدول الإفريقية «الكبرى» الأخيرة التي تزوّدت بقناة تليفزيونية. كان ذلك في عام 1972 بمناسبة الألعاب الأولمبية الصيفية في ميونيخ حيث شاهد سكان العاصمة «داكار» الصور المتلفزة للمرة الأولى. ذلك أن عموم السكان السنغاليين لم يشاهدوا تلك الصور قبل نهاية عقد التسعينات الماضي.

ويتعرض المؤلف بإسهاب لـ «وظائف التليفزيون» في إفريقيا. إنه بلا شك أداة لـ «التسلية» قبل كل شيء. ولكنه كذلك، وكما أرادت الحكومات الإفريقية له أن يكون، أداة لنشر المعارف الأساسية وللوقاية الصحية والمساهمة في محو الأميّة لدى سكان لم تعرف أغلبيتهم المدارس. وفوق هذا كله تعزيز مشاعر الانتماء إلى الأمة الوطن.

هذا ما يرد عليه المؤلف بالقول: «إنها أهداف نبيلة لكنها ليست واقعية. خاصة نظرا للإمكانيات المحدودة جدا التي تمتلك عليها أغلبية الحكومات الإفريقية». ويصل المؤلف إلى القول أن الواقع الإفريقي جعل الكفّة تميل باستمرار ولفترة طويلة لصالح الإذاعات وليس للشاشة الصغيرة.

لكن سنوات التسعينات شهدت منعطفا عندما واجهت القنوات التليفزيونية والإذاعات تقليصا كبيرا في ميزانياتها. وتزامن ذلك مع عدة حروب أهلية وواقع الأزمة الاقتصادية. وبالنتيجة تغيّر المشهد الإعلامي جذريا. وتكاثرت القنوات التليفزيونية الطائفية أو الاثنية، ففي جمهورية الكونغو الديمقراطية وحدها كان هناك 65 قناة في نهاية عام 2005 من بينها 33 في العاصمة كنشاسا وحدها، كما يشرح المؤلف في الصفحات الأخيرة من كتابه.

الكتاب: تاريخ التلفزيون في إفريقيا الناطقة بالفرنسية

تأليف: تيديان ديوه

الناشر: كارتالا ـ باريس ـ 2009

الصفحات: 240 صفحة

القطع: المتوسط

Histoire de la télévision en Afrique noire francophone

Tidiane Dioh

Karthala - Paris

2009