تكمن أهمية كتاب «الثورة الصناعية» في البعد المنهجي والتعليمي الذي يحرص عليه مؤلفه لي ت. وات، بحيث يقدم المعلومات مدعومة بالوثائق وبعيدا عن أية أطروحات أيديولوجية. من هنا يمكن لهذا الكتاب أن يثير اهتمام الطلبة والدارسين فضلا عن الجمهور العام.
الخط الناظم للتحليلات المقدّمة في هذا الكتاب يتمثل في التأكيد على أن الثورة الصناعية التي بدأت في بريطانيا بأواسط القرن السابع عشر قد حوّلت أولا الاقتصاد البريطاني وبعده اقتصاد القارّة الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية قبل أن تعمّ آثارها مختلف مناطق العالم من اقتصاد ريفي وزراعي إلى اقتصاد صناعي يتركز على نظام المصانع التي تنتج كميات كبيرة «من نفس السلسلة» وعلى العمل المختص.
يقدم المؤلف نظرة شاملة ومكتملة إلى حد كبير لما يتفق المؤرخون على تسميته أحد أكبر الأحداث التي عرفتها البشرية في تاريخها الطويل. هكذا مهّد المؤلف أولا عبر شرح الآفاق التاريخية ومناقشة الحوارات السائدة حول الثورة الصناعية إلى جانب توصيف الشروط الاجتماعية-الاقتصادية التي سبقت التغيير الكبير في بريطانيا.
ويرى مؤلفه لي ت. وات أن مجموعة عوامل اجتماعية واقتصادية وقانونية أيضا في ظل التشريعات التي تبنّاها التاج البريطاني في أواسط القرن السابع عشر وقادت إلى اكتشاف مصادر جديدة للقوة والطاقة، الأمر الذي ترتب عليه تقدما كبيرا على صعيد قطاع الزراعة والتصنيع والمواصلات. وكان من أهم تلك المخترعات الآلة التجارية التي أفسحت الطريق أمام بناء المصانع بمختلف أنواعها ومدّ شبكات كبرى من السكك الحديدية وصولا إلى اختراع الكهرباء والسيارات.
وتواكب «التغيير» الاقتصادي مع تطوّر في المجتمعات إذ إن «الإصلاح البروتستانتي» الذي قاده مارتن لوثر وجان كالفان هز أوروبا كلها، وخاصة في التأكيد على مفهوم العمل. هكذا قامت عدة أشكال من «النشاطات الرأسمالية» قبل الثورة الصناعية التي ساهمت في تشجيع قيام الشركات الحديثة القائمة على أساس الإنتاج الكبير والربح.
وازدهرت في نفس السياق الأفكار المتعلّقة بدور الدولة في الاقتصاد خلال القرن الثامن عشر خاصة. هكذا اعتبر «آدم سميث» بكتابه الصادر عام 1776 تحت عنوان «البحث عن طبيعة وأسباب ثروة الأمم» أنه ينبغي على الدولة أن تلعب دورا «في الحد الأدنى» بالنسبة للنشاطات الاقتصادية. وهذا ما يرى فيه المؤلف ولادة للبرالية منذ فجر التصنيع.
وبنفس الوقت ولادة تيارين أحدهما يؤكد على حرية المبادلات التجارية والاقتصادية والآخر يؤكد على ضرورة إجراءات الحماية. بكل الحالات يتم التأكيد على أن الممارسات «اللبرالية» كانت في أصل تعميم الأسواق خلال القرن التاسع عشر ومما شكل عاملا حاسما في دفع عجلة التصنيع إلى الأمام.
هذا وفي الوقت الذي يتم فيه الحديث كثيرا عن الثورة الصناعية الكبرى وتتعدد التعريفات الخاصة بها، يمثّل هذا الكتاب، بما يحتويه من تحليلات ووثائق أحد المصادر الجامعة و«الدقيقة» لفهم تلك الثورة التي غيّرت تاريخ أوروبا والغرب والعالم. وكانت «المقدمة» الضرورية لثورة المعلوماتية والاتصالات التي نعيشها اليوم.
الكتاب: الثورة الصناعية
تأليف: لي ت. وات
الناشر: غرينوود برس نيويورك- 2008
الصفحات: 304 صفحات
القطع: المتوسط
The industrial revolution
Lee T. Wyatt
Greenword Press - New York - 2008
