يبحث بيير فيرلويز في كتابه «عشرون عاما بعد إنهيار الجدار» ما يسميه «إستراتيجيات المواجهة»بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي السابق. وهو يعود إلى دراسة هذه المواجهة في إطار الحرب الباردة. ذلك على أساس أنها تضم المرجعيات الرئيسية التي أدّت إلى الأحداث التي شهدها عام 1989 على مدى القارّة الأوروبية.
إن الآراء النقدية التي يصيغها فيرلويز حيال ميخائيل غورباتشوف، آخر رئيس سوفييتي والرجل الذي كان قد فتح الطريق إلى محاولة القيام بإصلاحات كبرى للنظام السوفييتي هو أن غورباتشوف كان عليه أن يواجه أزمة تتعلّق ببنية النظام فأراد أن يقدّم بالأحرى إجابة ذات طبيعة إستراتيجية. لكن هذا لا يمنع واقع القول إن الغرب في الأمس، وإلى درجة كبيرة اليوم، قد تبنّى رؤية في غاية المثالية لآخر قادة الاتحاد السوفيتي. ذلك على أساس فكرة شائعة كثيرا في الغرب تجعل من انهيار الاتحاد السوفييتي ونظامه الشيوعي نتيجة للنهج الذي كان غورباتشوف قد تبنّاه، بل أن ذلك كان هدفه أصلا.
ما فعله ميخائيل غورباتشوف،حسب التحليلات المقدّمة، هو وضع نفسه «في القالب» الذي أراد الغرب وبقية العالم رؤيته فيه. وذلك بالتحديد من أجل الوصول إلى هدف واحد وأساسي هو إنقاذ الاتحاد السوفييتي ونظامه والعمل على تقديمه على أنه مختلف عن النموذج الرأسمالي المعروف مع التأكيد على أنه يمتلك شرعية لا يمكن التشكيك فيها.
ومن النقاط التي يؤكّد عليها المؤلف قوله إن الاتحاد السوفييتي السابق تفوّق كثيرا على الغرب في ميدان الدعاية التي عرف كيف يستخدمها أفضل استخدام لصالح سياساته الخارجية والداخلية أيضا.وبعد أن تتم الإشارة إلى مسار التاريخ الذي يعرفه الجميع إذ انهار جدار برلين وعلى خطاه النظام الشيوعي والمنظومة التي كان يتزعمها الاتحاد السوفيتي يتم التركيز على القول أن ذلك لا يعني أن غورباتشوف كان يفتقر إلى رؤية إستراتيجية. وما يؤكده المؤلف في هذا السياق هو أن معرفة النهايات التي تؤول إليها مسارات التاريخ تجعل من الصعب جدا فهم بدايات هذه المسارات نفسها.
ويطرح بيير فيرلويز العديد من التساؤلات حول الآثار البعيدة لاندماج بلدان أوروبا الشرقية والوسطى في الاتحاد الأوروبي. ويؤكّد في هذا السياق على أهمية مسألة الحدود. ويرى أنها راهنة أكثر من أي يوم مضى حيث يبدو الاتحاد الأوروبي في حالة ضعف سياسي وحيث تتعالى وتتكاثر الأصوات بمناسبة الانتخابات الأوروبية وغيرها من أجل بناء «أوروبا أخرى» و«أوروبا جديدة».
ويصل المؤلف إلى القول أن فترة عشرين سنة فقط كانت كافية من أجل إجراء تبدل عميق في العلاقات الدولية. وما يحاول التركيز عليه في هذا الكتاب هو الكشف عن المظاهر والتوجهات غير المعروفة كثيرا خلال العقدين المنصرمين.
ومن أهم هذه المظاهريحدد «المناورات» الأميركية والروسية من أجل كسب المواقع في أوروبا وعلى الصعيد العالمي؛ وأشكال الغموض الذي يحيط بالعلاقات الألمانية ـ الفرنسية التي تتراوح من الاتفاق الظاهري إلى المنافسة الصريحة؛ ورهانات توسيع إطار الحلف الأطلسي كي يضم أكبر عدد ممكن من الدول الأوروبية وصولا إلى تخوم روسيا التي أعلنت رفضها القاطع للتوجّه الأميركي الرامي إلى ضم كل من جيورجيا وأوكرانيا إلى التحالف الأطلسي؛ وعملية ضم البلدان الشيوعية السابقة إلى الاتحاد الأوروبي.
في المحصّلة، وبالاعتماد على العديد من الشهادات والمقابلات التي يجريها بيير فيرلويز مع شخصيات أوروبية يقدّم المؤلف ما يعتبره الخطوط الأساسية للمسيرة الأوروبية في السنوات العشرين الأخيرة؛ وفيما هو أبعد من ذلك محاولة تقديم بعض المفاتيح من أجل فهم الرهانات الأوروبية في القرن الحادي والعشرين.
الكتاب: عشرون عاما بعد انهيار الجدار
تأليف: بيير فيرلويز
الناشر: شوازول ـ باريس ـ 2009
الصفحات: 259 صفحة
القطع: الصغير
20 ans Apres la chute du mur
Pierre Verluise
Choiseul - Paris
p.

