«ألعاب خطيرة» هو كتاب تذكّر فيه مؤلفته مرغريت مكميلان، المؤرخة وصاحبة كتاب «باريس 1919» الشهير، الجميع أنه في الوقت الذي أصبح فيه التاريخ يحظى بمكانة أكبر وأهم في النقاشات العامة، تخلّى المؤرخون المحترفون كثيرا عن دورهم وأفسحوا المجال بذلك لـ «الهواة» من كتبة التاريخ، الأمر الذي تعتبره مؤلفة هذا الكتاب في غاية الخطورة.

ذلك أن «الخفّة» في التعامل مع التاريخ جعلت العديد من الحكومات والقادة يستخدمون التاريخ لصالحهم ولا مانع من أن «يلووا عنق» الحقيقة التاريخية و«يخترعوا» الماضي على هواهم. هكذا وفي عالم يعيش حالة بحث مستمر عن «أبطال» تعرف رفوف المكتبات عددا ضخما من كتب السيرة.

وتحذر المؤلفة من الأخطار المترتبة على «تشويه طبيعة» الماضي، والجهل الكبير بأحداثه مما يشكل «إساءة استخدام» كبيرة للتاريخ. وتنقل بهذا الصدد الحكاية التالية من أحد مقاهي نيويورك عشية يوم 11 سبتمبر 2001 وحيث دار بين شخصين حوار له «دلالته». قال الرجل الأول: «ما جرى شبيه ببيرل هاربور»، أي بذلك الهجوم الذي قام فيه اليابانيون على القاعدة الأميركية في جزيرة بيرل هاربور في المحيط الهادئ. فردّ الرجل الثاني: «ما هو بيرل هاربور»؟ قال الأول: «هذا يدل على إلقاء الفيتناميين لقنابل في أحد المرافئ، لتبدأ بعدها حرب فيتنام» .

الدرس الذي تستنتجه المؤلفة من هذا الحوار «السريالي» أن «المواطنين الذين لا يفهمون سياق الأمن الحاضر ولا يملكون سوى معلومات ضحلة جدا عن الماضي يصدّقون بسهولة قصص أولئك الذين يزعمون أنهم يعرفون التاريخ ودروسه». والوجه الآخر لهذا «الجهل» بالتاريخ هو إمكانية إيجاد الحجج و«البراهين» التي تخدم بعض السياسات. هذا في الوقت يكمن دور المعرفة الأساسي في «المساعدة على تحدّي التصريحات المتزمتة والتعميمات المتسرّعة. إنها تساعدنا على أن نفكّر جميعا بوضوح أكثر» .

وتشرح المؤلفة على مدى العديد من الصفحات كيف أن التاريخ يساعدنا على أن نفهم أولا أولئك الذين ينبغي علينا التعامل معهم، وثانيا على أن نفهم أنفسنا. وترى أنه لو كان جرى فهم الفرق بين أمة تشن حربا وبين مجموعة تمارس الإرهاب، فإنه كان من الصعب قبول الحجج التي قدّمتها الإدارة الأميركية للشروع بـ «حرب ضد الإرهاب» وللقيام بغزو العراق. ذلك أن «الحروب تُشنّ ضد الأعداء» وليس ضد الأفكار. والحروب ينبغي أن تحدد دائما أهدافا واضحة لها وفي مقدمتها غالبا إرغام العدو على الاستسلام، لكن الحرب على الإرهاب ليست لها أهدافا محددة بدقة.

ومن الأفكار الرئيسية التي تتكرر في هذا الكتاب تأكيد مؤلفته على ضرورة معرفة الاخر، وتاريخه. تقول: «إذا لم تكونوا تعرفون تاريخ شعب آخر فإنكم لن تستطيعوا فهم قيمه ومخاوفه وآماله والطريقة التي قد يتصرّف بها حيال ما تقومون فيه من أعمال». وتنقل في هذا الصدد ما كان قد اعترف فيه روبرت مكنمارا، وزير الدفاع الأميركي الأسبق، متأخرا أن السياسات الأميركية في جنوب شرق آسيا عكست «جهلنا العميق بتاريخ المنطقة وثقافتها وسياستها وأصلها» .

وتشير في نفس السياق أنه عندما استخدم الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش تعبير «الحملة الصليبية» ضد الإرهاب بعد 11 سبتمبر 2001، كان «المسلمون، والمعتدلون منهم، يميلون للرد القوي إذ تذكّروا تلك الهجمات التي قام فيها الغرب قبل قرون عديدة» .

وترى مرغريت مكميلان أنه عندما يجهل المسؤولون السياسيون التاريخ مثل ثلاثي بوش ـ شيني ـ رامسفيلد الذي كان على رأس الإدارة الأميركية السابقة فإن النتيجة المؤكدة هي «تشويه التاريخ». وحيث يتم هذا التشويه في «أفضل الحالات» بطريقة لا إرادية وعلى خلفية غياب المعرفة وفي «أسوأ الحالات» عندما يتم «التجاهل» عن سابق قصد وتصميم.

بكل الحالات تؤكد المؤرخة البريطانية أنه من السهل دائما على رجال السياسة وغيرهم أن يجدوا في الماضي الحجج والمبررات كي يقوموا بعمل ما يشاؤون في الزمن الراهن. ومن الصعب جدا دائما تفحّص الماضي بطريقة عميقة وموضوعية واستنباط الدروس التي يمكن أن توجّه بوصلة عمل البشر اليوم. تكتب المؤلفة: «إننا قد نسيء استخدام التاريخ. وقد يتم أحيانا اختراع قصص غير واقعية من أجل تبرير السطو على أرض الآخرين وربما قتلهم.

ومن الملاحظ أن المؤلفة لا تولي اهتمامها الأكبر في دراستها لكيفية التعامل مع التاريخ إلى ما يجري في الجامعات وبالطريقة التي يتم تعليمه فيها بل والتي تتم كتابته فيها، ولكنها توليه بالأحرى إلى الطريقة التي يتم استخدامه في المجال العام من قبل رجال السياسة ورجال الإعلام وغيرهم ممن يبحثون عن التأثير على الرأي العام ويريدون كسبه إلى جانبهم.

في المحصلة تصل مرغريت مكميلان لى القول انه يتم غالبا اليوم، في واشنطن خاصة، استخدام التاريخ كسلاح من أجل «تصنيف الخصوم أو التقليل من شأنهم». وهذا يعني تشويهه والعمل على «بيعه» للساسة. ولو كان الجمهور الأميركي يعرف التاريخ بصورة أفضل فربما كان من الصعب أكثر وقوعه في «الفخوخ» التي لا يعرف كيف يخرج منها اليوم.

الكتاب: ألعاب خطيرة

تأليف: مرغريت مكميلان

الناشر: مودرن ليبريري ـ لندن ـ 2009

الصفحات: 208 صفحة

القطع: المتوسط

Dangerous games

Margaret Macmillan

Modern Library - London ـ 2009

208 P.