اتخذت رواية «طريق الحرير» للروائي الماليزي تاش أو الصادرة عام 2005 والفائزة بجائزة كوسا من المالايو في الأربعينات تحت ظل الاحتلال البريطاني وقبيل الغزو الياباني ساحة لها، حيث يستحضر المؤلف أجواء جوزيف كونراد في الوقت الذي يحاول تقليص توقعات الرواية العجائبية.

وبالمقابل فإن روايته الثانية، الصادرة مؤخراً بعنوان «خريطة العالم الخفي»، تقع أحداثها في اندونيسيا ومالايو في منتصف الستينات، وهي أقرب إلى أجواء جراهام جرين.

الرواية الجديدة تطل علينا عبر ضمير الغائب، خلافاً لضمير المتكلم الذي أطلت به الرواية الأولى، حيثما كان الرئيس الاندونيسي أحمد سوكارنو يتأهب للصدام مع المالايو حديثة الاستقلال، من دون أن يخطر بباله أن أيام بقائه في السلطة في بلاده قد غدت معدودة.

الموضوعة الرئيسية هنا هي الاغتراب، عضوياً، وعاطفياً، ونفسياً، وعلى كل المستويات، والمؤلف يؤكد في لقاء أخير معه في معرض الحديث عن الاغتراب: «أعتقد أنها مهمة للغاية، فكرة كون المرء مغترباً هذه، حتى في بلده».

وإلى جوار الاغتراب، وربما امتدادا له أيضاً، هناك موضوعة الذاكرة، التي يقول عنها المؤلف: «ربما لأن جنوب شرق آسيا كان مستقلاً خلال الخمسين أو الستين عاماً الأخيرة فحسب، فإن استرداد ماضينا هو أكثر أهمية بالنسبة لنا مما هو بالنسبة لأوروبا الغربية. وأنا مهتم بالكيفية التي يمكن بها لبعض الناس أن يكونوا منفصلين عن ذلك تماماً، وأن يكون مناط اهتمامهم الوحيد هو اليوم، بينما الآخرون يمضون وقتهم وهم يحاولون استدعاء كل جزئية من الأحداث».

ويبادر تاش أو إلى إيضاح انتمائه إلى هذه النوعية الأخيرة من الناس، ويقول: «عندما يعطيك الناس ذكريات من تلك النوعية، فإنهم نادراً ما يكونون سعداء. إذا كانت لديَّ ذكرى عن قضاء يوم ممتع، فإنني أتذكر في ذلك اليوم أنني أشعر بأنه لن يتكرر ثانية قط».

نحن في رواية المؤلف الماليزي مع آدمو، الفتى ذي الأعوام الستة عشر، الذي يتابع المشهد في عجز بينما الجنود يلقون القبض على كارل، أبيه بالتبني والفنان المنتمي إلى أصول هولندية ـ إندونيسية والذي كرس حياته للبلد الجديد الذي نال استقلاله.

في صيف عام 1964 هذا، تغلي اندونيسيا بالتوتر، حيث يواجه الجيش الشيوعيين، وتعلو مشاعر كره الأجانب على وقع خطب السياسيين النارية، وترتفع الشعارات بضرورة ترحيل من بقي من الهولنديين، وتبدو في الأفق ملامح صدام وشيك مع المالايو. هكذا تمضي الرواية قدماً مع بحث آدم عن كارل، فيما الحرب الأهلية تطل في الأفق.

لكن هذا ليس البحث الوحيد في الرواية، فآدم له أخ أكبر منه يدعى جوهان، تبنته عائلة ثرية من كوالالامبور، وهو يعاني من مشاعر مدمرة، ناجمة عن انفصاله عن أخيه، فنراه يحدث نفسه وهو يجوب أرجاء المدينة بسيارة أبيه الفارهة من طراز مرسيدس قائلاً: «حياتك ليست بحياتك.. ذلك أن حياتك هي في موضع آخر».

يسعى آدم وراء باحثة أميركية متخصصة في علم الإنسان هي مارجريت باس، التي كان كارل قد شغفها حباً في الثلاثينات في بالي، وهي الآن أستاذة جامعية في جاكارتا، وتطارد حبيبها المفقود مستعينة بجهود بيل شنايدر الموظف بالسفارة الأميركية وصحافي استرالي.

تزداد رحلة البحث تعقيداً مع تفاقم الأزمة السياسية، ويصادف فريق البحث جموع الدهماء، الذين يرفعون عقيرتهم لتشق هتافاتهم المناهضة للأجانب عنان السماء، ويصل هذا التعقيد إلى ذروته مع اختمار جهود الشيوعيين في الجامعة، والتي تتوج بقيام أحد الطلاب، ويدعى دين، بالترتيب لمؤامرة تتضمن إلقاء قنبلة على الرئيس الأندونيسي، فيما يسعى بيل لتجنيد مارجريت للانخراط في أنشطته الدبلوماسية، التي تعد مارجريت من أجلها للقاء بين الرئيس سوكارنو والدبلوماسي الأميركي.

ومن شأن نظرة واحدة على رواية أو الجديدة أن توضح لنا مدى قوة النثر الذي كتب به هذا العمل وقدرته على اجتذاب القارئ، وعلى سبيل المثال فإن مشاهد العودة إلى الماضي التي تنقلنا إلى طفولة آدم تبدو لنا شديدة الثراء حقاً، حيث يتيح لنا المؤلف الأطلال على تاريخ المنطقة من خلال حكايات جذابة عن بضائع الشعب الغارقة، التي تتباين بين شحنات الأفيون القادمة من الهند البريطانية والنبيذ القادم من أوبورتو وماديرا.

غير أن المؤلف يفصح عن اقتدار أقل، بصورة ملموسة، فيما يتعلق بالجوانب السياسية من الحبكة والتحركات الدبلوماسية على امتداد الرواية، وصولاً إلى نهاية مثيرة للجدل، قد لا يكون من المبالغة وصفها بأنها تفتقر إلى الشمول والحسم.

ونلاحظ أن المؤلف، بدلاً من اعتماد الذروة المعتادة بالنسبة لهذه النوعية من الأعمال، والتي تمر بمبادرة الأبطال الوافدين إلى الهرب من البلاد، نجد أن عائلة تتألف من أوروبيين وآسيويين توغل بمزيد من التعمق في هذا الأرخبيل الآسيوي المثير للفضول.

ويلفت انتباهنا بصفة خاصة تصوير المؤلف لشخصية مارجريت، فهو تصوير يقع بين الحب والسخرية، حيث لا يتردد المؤلف في وصفها بأنها «خبيرة في الاتصال غير الشفاهي»، وهي تسيء فهم التحفظ الذي يبديه الطالب الجامعي دين، فتحسبه «احتراماً للهيكل القيادي الذي يشكل وباء يجتاح الآسيويين جميعاً». وهي تتصور أنها بارعة في «رصد ما وراء القناع الآسيوي». وعلى الرغم من ذلك فإنها مع الغربيين «لم تكن قادرة قط حتى على فهم أبويها».

مثل هذه الغمزات المفعمة بالسحرية حيال المواقف التقليدية لإحدى الشخصيات التي عاشت في آسيا طويلاً تجرى موازنتها على وجه التقريب، من خلال جهد فائق، بوعي بالذات مفعم بالمتاعب.

لكن من يقوم الآن بانجاز الأمور في البلاد ليسوا هؤلاء الوافدين، أياً كانت طبيعة اتصالاتهم ومواقعهم، وإنما الأثرياء الجدد الذي يمدون الجسور مع النخبة السلطوية الجديدة، مثل الطالبة ذات النزعة المثالية، زبيدة، التي قد لا نبالغ كثيراً إذا وصفناها بأنها ند لدين.

ويلفت نظرنا، حقاً، أن دين الذي درس كتب التاريخ التي لا تبدأ إلا باكتشاف الطرق البحرية من أوروبا إلى آسيا، يسعى إلى كتابة ما يسميه بـ «تاريخ سري» للجزر الاندونيسية الواقعة إلى الشرق من بالي.

إن ما نلمحه هنا هو إيماءة واحدة من بين إيماءات عديدة إلى بعد أكثر طموحاً في هذه الرواية، الأمر الذي قد يشير إلى التشابه بين الصدمات العائلية والوطنية، التي يتم استحضارها برهافة بالغة في روايات من نوعية «خرائط» لنور الدين فرح حول الصومال، أو «حافة الفردوس» لرومس جونسكيرا، و«شبح أنيل» لمايكل أوند اتجه حول سريلانكا.

غير أن هذا الجانب في رواية تاش أو يظل غير ملموس أو يظل مستعصياً على الإمساك به، إن شئت، ويبقى أقرب إلى «أطلس مائي هائل» لحيد بحري.

بالمقابل، فإن الرواية تصل إلى ذروتها وإلى أرفع قمم استعصائها على النسيان من خلال استحضارها البديع للعرى التي لا تنفصم والتي تربط بين الأخوين آدم وجوهان، وصلتهما بالبحر، وذكرياتهما المتناثرة كنثار وحشي متألق. وتظل عملاً جديراً بالقراءة حقاً، وبأكثر من تحليل لأبعادها العديدة.

الكتاب: خارطة العالم الخفي

تأليف: تاش أو

الناشر: فورث إستيت، لندن، 2009

الصفحات: 352 صفحة

القطع: المتوسط

Map of the Invisible World

Tash Aw

Fourth Estate, Londan, 2009

Londa