يتناول كتاب « عرابي ورفاقه في جنة آدم» الشائق قصة الزعيم المصري الوطني أحمد عرابي ورفاقه الذين نفاهم الاحتلال الإنجليزي إلى جزيرة سيلان، بعد قيامهم بالتمرد على كل من الحاكم والمحتل، فتقدم المؤلفة لطيفة محمد سالم صورة حية للمنفى كموضوع تاريخي وفي الوقت نفسه كحالة معاناة إنسانية.

يفصح الكتاب، ولأول مرة، عن تفاصيل ما جرى لعرابي ورفاقه الستة، وهم في المنفى بجزيرة سيلان، وعلاقتهم ببريطانيا، ثم الخلافات التي نشأت بينهم، وسعيهم إنسانيًا وسياسيًا للخلاص من هذه التجربة الأليمة بعد أن سكنتهم الأمراض ولم يعد الأمر يحتمل، حتى إن بعضهم فارق الحياة دون أن يتحقق له أمل العودة إلى الوطن، وكذا عودة بعضهم والمساعي التي بذلت في هذا الشأن ليعودوا منكسرين كما ذهبوا مهزومين بعد وقوفهم أمام أعتى سلطة خديوية يدافعون عن حرية المصريين، ثم تصديهم لأعتى قوة عالمية، مدافعين عن حرية مصر ضد التدخل الأجنبي.

تقول المؤلفة أن مسألة مصاحبة هؤلاء القادة المقهورين إلى مقرهم الأخير في المنفى أصبحت عملية لها أهميتها، نظرا لذلك الشغف لمعرفة مسيرة الحياة التي سوف يعيشونها، من هنا جاء اختيار تلك الدراسة الأكاديمية الوثائقية التي رافقتهم على تلك الأرض الغريبة عنهم، وقد قدمت وثائق وزارة الخارجية البريطانية ـ ولها الأهمية الكبرى ـ المعلومات العميقة للدراسة، كما ساعدتها الوثائق المخطوطة والمنشورة، والدوريات بنوعيها العربية والأجنبية، وذلك حتى تكتمل الصورة بكل أبعادها لعرابي ورفاقه في جنة آدم.

تلتقط المؤلفة الخيوط من حيث انتهى المؤرخون لتنسج بها صورة دقيقة أبرزت فيها المعالم الرئيسية، في الوقت الذي لمست فيه الدقائق التي ربما تغيب عن العين، وتتبع خطوات عرابي ورفاقه صوب هذا الطريق، والاتجاهات المصرية والبريطانية نحو العقوبة، والتحول من الإعدام إلى النفي، وتعدد الآراء حول مكانه إلى أن رسا المطاف على جزيرة سيلان التي هي معروفة أيضا بسرنديب، كما أطلق عليها جنة آدم ـ إذ ساد الاعتقاد أنها الأرض التي وطئت عليها قدم آدم (ع) فور خروجه من الجنة، وهو ما رددته بعض مصادر التاريخ الإسلامي ـ والإعداد للسفر، والعقبات التي صادفته والتعليمات البريطانية للجزيرة، ورحيل المنفيين عن مصر ووصولهم إلى كولومبو، واستقبالهم والفترة الأولى لإقامتهم.

كما تناقش المؤلفة سياسة الحذر التي انتهجتها بريطانيا حيث مضت العيون تلاحق المنفيين والتحركات تحسب عليهم والتحكم يعوقهم، والنظام الذي خضعت له مراسلاتهم، وانكسار سياسة العزلة عن طريق المراسلات واللقاءات، والصلات بالشخصيات البريطانية سواء المسئولون أو غيرهم بهدف الحصول على المساعدة للعفو عنهم وإطلاق سراحهم وعودتهم لمصر، وتلك المجهودات التي قامت بها هذه الشخصيات.

وتتبعت لطيفة محمد سالم حالة المنفيين المالية وحاجتهم وفاقتهم وشكاواهم وموقف لندن، ورغباتهم الشخصية بشأن إحضار ذويهم ومعاكساتها، ونتيجة الظروف الصعبة على علاقاتهم، واتساع دائرة الخلافات بينهم، وتوسلاتهم للخروج من الجنة إلى مكان آخر يتفق مع صحتهم أو عودتهم لوطنهم بعد أن تمكنت الأمراض منهم، ومعارضة الحكومة المصرية وتشددها وتعنتها، واتجاه السياسة البريطانية واستمرار المساعي وتكثيفها خاصة بعد تساقط عبد العال حلمي ومحمود فهمي والتحركات في لندن والقاهرة.

وتعلق المؤلفة على خطوات نهاية الطريق وعودة طلبة عصمت لمصر لانحدار صحته كحالة اضطرارية، وتدهور صحة باقي المنفيين، ووفاة يعقوب سامي، والسماح لمحمود سامي البارودي بالرجوع إلي وطنه نتيجة لما أصابه، ومواصلة المجهودات من أجل العودة الأخيرة لعرابي وعلى فهمي التي نجحت لتدخل ولي عهد بريطانيا، ووداع الجزيرة لعرابي وما وجده من عواطف جياشة تجاهه نظرا لاعتبارات متعددة، ووطء أقدامه أرض مصر والملابسات التي ارتبطت بها.

وقد ضمت الدراسة عددا من الملاحق المهمة منها التقرير الذي سطره أحمد عرابي أثناء وجوده بالسجن عقب الهزيمة، ويوضح فيه التطورات التي مرت بها الثورة منذ بدايتها وحتى نهايتها، وذلك ليضعه بين يدي الدفاع،ومنها أيضا ملحق خاص برسائل بعث بها عبد الله النديم ـ ولم يوقع عليها نظرا للظروف التي مر بها ـ إبان اختفائه من 15 سبتمبر 19882 إلي 2 أكتوبر 1891 ـ إلي صديقه الحميم أحمد عرابي في سيلان، وقصد من ورائها أن يخفف عنه المعاناة بطريقته المعهودة ويعقد عليه الآمال المستقبلية، ويوجه له النصح بجمع شمل المنفيين، وفي ملحق آخر هناك ما نشرته صحيفة المقطم من مقابلة وكيلها لعرابي عند وصوله للسويس عائدا من المنفى وما دار بينهما من حديث.

الكتاب: عرابي ورفاقه في جنة آدم

تأليف: لطيفة محمد سالم

الناشر: دار الشروق القاهرة 2009

الصفحات: 156 صفحة

القطع: المتوسط

محمد الحمامصي