يتناول هذا الكتاب الإبادة الثقافية أو «المحرقة الأخيرة للوجود» التي قام بها الإنجليز على مدى الأربعمائة سنة ضمن عملية شاملة قاموا بها في المنطقة التي تسمى اليوم بالولايات المتحدة وأبادوا خلالها أكثر من 18 مليون هندي أحمر ومحوا من ذاكرة التاريخ مئات الأمم والشعوب كما فعلوا بعد ذلك بسكان أستراليا ونيوزلندا وعشرات الجزائر التي كانت تعج بالحياة.

وينطلق المؤلف في ذلك الصدد من أن تلك السياسة قامت على أساس أن احتلال الأرض والإبادة الجسدية ليست كل شيء وأنه لا بد من كسر العمود الفقري لضحاياهم ألا وهو لغتهم وثقافتهم وتراثهم الروحي.

وعلى مدى تسعة فصول هي مجمل صفحات الكتاب يستعرض معنا منير العكش المأساة معتمداً في ذلك على مراجعة مئات المصادر العامة وعلى البحث والتنقيب في صناديق الوثائق الحكومية التي تضم آلاف آلاف الأوراق والتي ترى النور لأول مرة في صفحات هذا الكتاب.

وإذا كان هنود أميركا تعرضوا على مدى خمسمئة سنة لحملات غزو أسبانية وبرتغالية وفرنسية سلبتهم إنسانيتهم إلا أن الإنجليز وحدهم كانوا الأكثر عنجهية وعدوانية وإصراراً على تدمير الحياة الهندية واقتلاعها من الذاكرة الإنسانية حيث نسجوا فكرة مسبقة عن أميركا من لحم فكرة إسرائيل التاريخية.. فكرة احتلال أرض الغير واستبدال شعب بشعب.

في تناوله للتطهير الثقافي يبدأ المؤلف بمثل حي يقدم دلالة بالغة على ما يذهب إليه يتمثل في رفض طالبة ـ 16 سنة ـ مناداته لها باسمها الأصلي الذي يعبر عن أصولها في إشارة إلى سطوة الإرهاب الثقافي والنفسي الأبيض الذي جعل بعض السكان الأصليين يعتبر هويته كابوساً ويجاهر بالقول: «أتمنى لو لم أخلق هندياً».

ويشير العكش إلى أن هناك شعوباً هندية كثيرة لم تفقد أسماءها الحقيقية وحسب بل صارت لا تعرف ولا تعرَف نفسها إلا بالاسم الذي أطلقه عليها غزاتها. وفي هذا السياق مسخت فكرة أميركا جسد ضحيتها الهندي وثقافته إلى مادة ملوثة مؤذية للإنسان والطبيعة لابد من تطهيرها أو التطهر منها.

ويشير العكش في الفصل الثاني تحت عنوان «استباحة الجسد» إلى أنه لم تخل مدرسة من المدارس الداخلية التي زعم أنها استهدفت تمدين أطفال الهنود من الاغتصاب الجنسي حتى ان بعض الآباء امتنعوا عن الإنجاب خوفاً من جلادي المدارس الداخلية ونظام النقل الذي فرضه مكتب الشؤون الهندية وشركات التمدين المتعاقدة معه.

وإذا كان الإنجليز يصرون على التأكيد أنهم أكثر أهل الأرض تحضراً متهمين آخرين غيرهم بكل الممارسات السلبية ومنها أكل لحم البشر والتي ألصقوها بالسكان الأصليين لأميركا فإن المؤلف يكشف لنا عن ان الإنجليز أنفسهم هم الذين يعدون بحق آكلي لحوم البشر مقدماً العديد من الأمثلة التي تدعم رؤيته. ومن ذلك كتاب نشرته جامعة إنديانا يروي «ملحمة» جونستون آكال الكبد وكيف أن هذا الرجل أمضى أكثر من عشرين سنة يقتل هنوداً من شعب الكرو ويسلخهم ويأكل أكبادهم. ويوثق الكتاب لأكثر من 300 حادثة قتل فيها جونستون الهنود وسلخ أكبادهم. كما يشير إلى إرجاع أحد ألمع علماء الأنثروبولوجيا في بحث بعنوان «البريطانيون أكلة لحوم البشر» هذه الإسقاطات إلى ما يسميه بأخلاق جنون العظمة التي يتربى على هلوستها الأطفال البريطانيون.

ومواصلاً رؤيته التي تقوم على تواصل الإبادة في شكل ثقافي يشير المؤلف في الفصل السادس تحت عنوان «الأرض مقابل الحضارة» أن نجاة ربع مليون هندي من الإبادة الجسدية كان يقض مضاجع شعب الله الإنجليزي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر إذ لاتزال تحت أقدامهم أرض تكتنز الثروات التي تسيل لعاب ثروة الأمم وكان مصير هؤلاء الأشقياء موضع أخذ ورد وجدل ساخن بين المستوطنين وبين من يسمون أنفسهم بـ «أصدقاء الهنود».

فكان المستوطنون يريدون القضاء نهائياً على الوجود الجسدي للهنود حيثما وجدوا، فيما كان «أصدقاء الهنود» يفضلون إبادة ألطف من خلال زرع الثقافة الهندية ذات البنية الجماعية بالألغام لتدمير نظام التكاتف الجماعي أو ما تسميه الأنثروبولوجيا العرقية بـ «المشاع البدائي» أو «الشيوعية البدائية» واستبدال دماغ الهندي بدماغ أبيض يؤمن بالملكية الخاصة.

وهكذا أرادت «سياسة السلام» أن تكون الآلة المثالية لسحق هندية الهنود وخلق جيل من السماسرة الذين لا يرضون عن فكرة أميركا (احتلال أرض الغير واستبدال شعب بشعب) بل يتبنون ذلك كله ويعترفون بشرعيته ويدافعون عنه ويقاتلون أهلهم من أجله.

ويذكر المؤلف أن هذه الفكرة التي تقوم على «الاستعمار الداخلي» من خلال جيل من السماسرة يغني الغزاة عن الجيوش والأساطيل هي من إبداع توماس مكولاي رسول الإدارة الاستعمارية البريطانية إلى شبه الجزيرة الهندية والذي راح يقول: «علينا أن نبذل قصارى جهدنا لنربي طبقة تترجم من نريد للملايين الذين نحكمهم.

طبقة من أشخاص هنود الدم والبشرة لكنهم إنجليزيو الذوق والأفكار والتوجه والأخلاق والعقل». وإثر الأخذ بهذه الفكرة من قبل الحاكم البريطاني للهند ورئيس إدارة شركة الهند الشرقية، أصبح مكولاي مخلداً بجيل من الهنود يحتقرون ثقافتهم ويمجدون ثقافة مستعمريهم ويعرفون منذئذ بلقب «أولاد مكولاي».

وهكذا سكر أولاد مكولاي بهذه الأسطورة العنصرية التي أفرغت حضارتهم العظيمة من هنديتها وظنوا فعلاً أن «الله الإنجليزي» قد ضمهم إلى ملكوته وأن بشرتهم السمراء لن تحجب بعد اليوم زرقة الدم النبيل في عروقهم، وهكذا صار من واجبهم مشاركة الحكم البريطاني في بعث النهضة الآرية في الهند من جديد.

وضمن استعراضه لأسس وسبل الإبادة الثقافية يتطرق العكش إلى دور المبشرين والذين فرضوا تغييراً جوهرياً في البنى الثقافية والاجتماعية يمتد من السلوك الفردي إلى البنية الأوسع للتكافل الاجتماعي، حيث كانوا يحقنون التلاميذ بكراهية ثقافتهم ويوهمونهم بانحطاطها وتفاهتها مقارنة بثقافة الإنسان الأبيض.

ألف عبد الله