لم يكن ليقدم أحد على طبع الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر حامد بدرخان بعد رحيله في 29/4/ 1996 إلا امرأة كانت وحدها ملهمته، ووحدها التي أعطاها تفويضاً شخصياً بالتصرُّف بأعماله الأدبية وبممتلكاته وأمواله، امرأة من طراز (إلزا) أراغون، انَّها (نازلي خليل) التي قامت بطبع الأعمال الكاملة على نفقتها الشخصية ووزعتها مجاناً.
وكانت أغلب قصائد دواوينه هذه قد نُشرت في الصحف السورية. وقد قام بجمعها وكتابتها - تبييضها ـ الأساتذة: رشيد عبدالرحمن ومحمد شيخ عثمان ومحمد عزيز شاكر. وبالمراجعة والتدقيق كلٌّ من: محمد جزائر حمكوجرو، كلعيزار عبدالرحمن ولو، ماجد عارف محمد. في تقديمه الأعمال الكاملة يقول محمد جزائر حمكوجرو: لم يتقيد الشاعر حامد بدرخان بالبحور الأوزان والقوافي، فقد كان شاعراً واقعياً امتلك أسلوبه الخاص غير المتأثر والخالي من الاقتباس والتشبيهات. ولقد أبدع الشعر بأربع لغات كتب لنا فيها قرابة ثلاثين ديواناً من الشعر، منها خمسة عشر ديواناً باللغة التركية، واثنين باللغة الكردية ـ لغته الأم، صدر الأوَّل عام2006 تحت عنوان (شيْيّهِ)، والثاني عام 2008 تحت عنوان (سردور اجييانه)، واثنا عشر ديواناً باللغة العربية بالإضافة إلى مذكَّراته المفقودة التي لا نعرف عنها شيئاً.
انتسب الشاعر إلى مدارس تلك المنطقة وتابع فيها دراسته إلى أن حصل على الشهادة الثانوية، ثم انتقل بعدها إلى استانبول لإكمال تعليمه العالي، فدخل الجامعة ودرس في كلية الآداب حتى نال إجازة في الأدب التركي، كما درس اللغة الفرنسية في أحد معاهد استانبول. وكان خلال هذه الفترة قد أقام علاقات وصداقات مع أدباء وشعراء مثل: ناظم حكمت وعزيز نيسين وعابدين دينو وصلاح عدولي وأستاذه ممدوح سليم، وأثمرت علاقته هذه بهم إلى أن قاموا معاً بما فيهم حامد بدرخان بتأسيس الحزب الشيوعي التركي آنذاك.
خلال إقامته في تركيا عمل الشاعر حامد بدرخان في جريدة (غونايدن)، وكان ينشر ويكتب فيها تحت اسم (حميد أراغون) حباً بالشاعر الفرنسي لويس أراغون. بعدها سافر إلى فرنسا مع صديقه عابدبن دينو إلا أنَّه لم يُقم فيها فترة طويلة فعاد إلى تركيا. لكن وبعد انضمام تركيا إلى المعسكر الأوروبي قامت الحكومة التركية بمنع كل النشاطات السياسية والفكرية الموالية للاتحاد السوفييتي، وضيَّقت الخناق على قوى اليسار، ولم يعد لحامد ورفاقه من منبرٍ يمارسون من خلاله حرية التعبير والنقد، فتمَّ اعتقالهم وأودعوا في سجن أنقرة.
لكن فترة سجنه لم تدم، فبتدبير ومساعدة من بعض رفاقه في الحزب استطاع الفرار من المعتقل والهرب إلى سوريا وإلى قريته شيخ الحديد (شيْيّهِ) وكان ذلك عام 1947. لكنَّه وخشية من ملاحقته من قبل المخابرات التركية سافر إلى دمشق، وعمل هناك في مجالات مختلفة لكسب قوته اليومي. وخلال تلك الإقامة تعرَّف على الأمير الراحل جلادات بدرخان الذي كان قد هرب بدوره من تركيا.
والذي اقترح عليه أن يتسمَّى باسم (حامد بدرخان) بدلاً من حميد أراغون حتى لا يراوده الخوف من ملاحقة المخابرات التركية له. وكان في هذه الأثناء قد تعرَّف أيضاً على الشاعر الكردي (جيكر خوين)، وإلى لفيف من الأدباء السوريين منهم: الشاعر علي الجندي، محمد الجندي، حنا مينا، وحيد استانبولي، د- نجاح العطار، سعيد حورانية، سعد الله ونوس، ممدوح عدوان، محمد عمران، فاتح المدرس، مصطفى الحلاج، مظفَّر النواب. وعدد غير قليل من الأدباء والمثقفين السوريين والعرب.
ثمَّ يروي الكاتب محمد جزائرحمكو جرو عاد في عام 1951 حامد بدرخان إلى قرية «شيخ الحديد» وفيها تعرَّف على رشيد عبدالمجيد الذي كان يعمل معلماً في القرية، وبعد توطد العلاقة بينهما طلب حامد من الأستاذ رشيد أن يعلِّمه اللغة العربية، فتمَّ له ذلك.
وأصبح حامد بدرخان من يومها عضواً في أسرة رشيد عبدالرحمن، وصار يقضي كل أوقاته في منزله بحلب، الذي تحوَّل إلى ملتقى دائم للأدباء والفنانين، ذلك بفضل رعاية زوجة رشيد عبدالمجيد (نازلي خليل) التي كان لها الدور الرئيسي والأساسي في بلورة مشروع حامد الشعري واستمراره في الكتابة وفي استقراره النفسي، فكانت تقف إلى جانبه في كل المحن والآلام، كما كانت بالنسبة له الأم والأخت والصديقة والملهمة.
الكتاب: الأعمال العربية الكاملة / شعر
الكاتب: حامد بدرخان
الناشر: عبدالمنعم ناشرون/ حلب 2009
الصفحات: 949 صفحة
القطع: الكبير
أنور محمد

