يحاول فاروق محمود الدين العلوان تحديد ماهية المفاهيم والقضايا التي سيعالجها في كتابه «إشكاليّة المنهج الفلسفي في الخطاب النقدي التشكيلي المعاصر» فيشير إلى مفهوم المشكلة التي لا بد لكل باحث فلسفي من إيجادها ثم طرحها للمناقشة والتفسير، ومفهوم النقد الفني الجمالي الذي يعني إعادة خارطة المفاهيم الفكرية لمادة النص، ومفهوم المنهج الذي يعني الطريق البين الواضح الذي يتم فيه ترتيب الأفكار وتنظيمها وتنسيقها وفق نظام يُفرق ويُميز ويفسر ليُنقي وينتقي ما يقع ضمن دائرة الكشف المعرفي، ثم يتعرض لأوجه الشبه والاختلاف بين المنهج والاتجاه والمبدأ والنظريّة والمذهب، وصولاً إلى مفهوم المعاصرة التي تشير إلى الآني والمتحول. والمعاصرة مفهوم نسبي لمسايرة العصر في جل تطوراته ومفاهيمه.
يبحث المؤلف في ماهية المنهج وآليته في الفكر الفلسفي المثالي، ثم الفكر الفلسفي المادي الجدلي، فالوجودي، والبراغماتي، وفي الفكر الوضعي المنطقي وفلسفة العلم المعاصرة .
كما يعرض لتحليل المنهج في المعرفة الفلسفيّة النقديّة الجمالية المعاصرة، أنه من المستحيل أن يفكر الإنسان تفكيراً عميقاً في أي ميدان معرفي دون أن يواجه إشكالات فكريّة يمكن تأطيرها فلسفياً، ومنها ميدان الجمال والفن الذي تصارعت على نظامه النقدي النظريات والمذاهب، باعتباره نسقاً معرفياً جديداً، تداخلت فيه وعليه أفكار عدة، وجاهدت أفكار أخرى لتحقيق منهجيته وعلميته، مشيراً إلى أن الرؤية التي تؤكد هذا النظام الجمالي هي في حقيقتها فرع من فروع الفلسفة وتطبيقاتها.
بعد ذلك، ينتقل الكتاب، ليستعرض المنهج الفلسفي النقدي الجمالي البراغماتي المعاصر، فيؤكد أنه مهما تباينت الآراء، واختلفت في الفلسفة البراغماتية تأييداً أو معارضةً، فإنها تلتقي جميعاً عند نقطة يتفق فيها المؤيدون والمعارضون على حدٍ سواء. وعليه فإن النقد الجمالي المتفلسف براغماتياً ينظر إلى العمل الفني التشكيلي المعاصر كشكل وأسلوب في التشكيل يتحدد بعلاقات متتالية، بمتسلسل محسوب الخطوات، تكوّن علاقات مكانيّة أكثر منها زمانيّة، رغم احتوائها على الزمن.
ويؤكد أن النقد الفني الجمالي لا بد له من نظريات يستند إليها، هي مجموعة من النظم المعرفيّة التي ترتبط فيما بينها ارتباطاً منطقياً. لكي تحقق النظرية النقدية المتفلسفة أهدافها، لا بد لها من أن تقوم على تفسير سليم للفروض التي تعتمد عليها. وهنا كانت مشروعيّة احتياج النقد إلى المنهج الفلسفي كمنهج فكري يكشف ويفسر ويحلل ويركب ويصدر حكماً، وعلى هذا الأساس يمكن بناء إطار لمنهج نقدي فلسفي جمالي معاصر.
ثم يتعرض لضرورة العلاقة وماهيتها بين الفلسفة والنقد الجمالي (ضرورة المنهج) فيؤكد أن النقد الجمالي نظام فكري معرفي لا بد له من الاعتماد على معطيات المعارف المجاورة، فلسفيّة، سايكولوجيّة، سوسيولوجيّة، وميثولوجيّة، لكي يبني أنظمته وأنساقه المعرفية وفقها.
وينتهي الكتاب إلى جملة من النتائج منها أن موضوع الفلسفة هو الكل، وأن موضوع الفن والجمال هو الجزء الذي يستند إلى الكل ويتأسس عليه وينطلق منه، أو هو جزء مجرد منه. وأن كل تفكير فلسفي عميق يبدأ من الكل. وعليه فالنتاج الفني لا يمكن رؤيته من دون رؤية تفصيلاته الجزئية من خطوط وأشكال وألوان وعلاقاتها التكوينيّة، حيث يقوم الناقد الفني بعمليتي تحليل وتركيب للنتاج الفني، لأنه عندما يقف أمام العمل الفني يندمج فيه، ثم يفصله عن نفسه ويحلله إلى علاقاته المؤلفة له.
وهكذا فإن عمليتي التحليل والتركيب مترابطتان كارتباط الجزء بالكل، ولعل ما يجعل النقد الفني الذي ينطلق من الأجزاء دون وعي البنية الكلية للشيء، ينتهي حتماً إلى فجوات فكريّة في مذهبه الفكري ومنهجه النقدي. على هذا الأساس، يجب أن ينطلق الناقد الفني الجمالي من الكل تحليلاً لينعكس فيه جدلاً، وبهذا يكون منهجه تحليلياً جدلياً لا يخلو من تركيب.
الكتاب: إشكالية المنهج الفلسفي في الخطاب النقدي التشكيلي المعاصر
تأليف: د. فاروق محمود الدين العلوان
الناشر: دار علاء الدين دمشق 2009
الصفحات: 288 صفحة
القطع: التوسط
د. محمود شاهين
