رواية «مصارع الثيران ـ محمود البطل القومي» التركية رواية شعبية معاصرة تتميز بحيوية الحوار، ورشاقته، وتنامي الحدث. تدور أحداث هذه الرواية الرشيقة والساخرة المليئة بالفكاهة والمرح في ثلاث دول (تركيا، ألمانيا، اسبانيا) لتعميق المفارقة الحضارية بين تركيا والدول المذكورة وزمنها ثلاثة أشهر. تبدأ الرواية ببحث رجلي زعيم العصابة الملقب ب«البابا» عن شخص يتمتع بمواصفات جسدية واسباني الشكل ومقطوعاً من شجرة لينفذ دورا في خطة مافياوية.
الرجلان هما الأحول والبوم. الرجل «الهدف» الذي تنطبق عليه المواصفات المطلوبة، هو محمود، بطل الرواية المتشرد الذي عمل في الزبالة وتنقل بين إعمال أخرى في قاع المجتمع الألماني الذي هاجر إليه حيث تزوج ثلاث نساء ألمانيات وكلما توفيت واحدة بحث عن أخرى أكبر سناً من سابقتها، فما أن يقترب من امرأة شابة حتى يصاب برجفة في جسده.
ولكن عندما تكون المرأة بعمر أمه فإنه يتحول إلى بلبل غريد، ويظهر أن الألمانيات الشمطاوات أحببن فيه سحنته الاسبانية وربما عقدة النقص التي فيه. وقد شوهته تلك التجربة إلى درجة انه أصبح يعشق النساء العجائز ذوات الأسنان الاصطناعية والشعر المستعار. يسود مونولوج محمود الشخصية المركزية متن الرواية الخيطية النسيج والقائمة على شخصية البطل.
وتتكشف المهمة التي انتدبه البابا لها وهي عملية نصب على المجتمع التركي ببطل وهمي. «الأحول» «والبوم» يعثران على محمود في المقهى ويجدان فيه ضالتهما، فهو اسباني الشكل ومقطوع من شجرة.
يقتادانه ليمثل أمام البابا الذي يقول له انه سيكلفه بتنفيذ مهمة وطنية وقومية، تذهب بمحمود الأوهام والأحلام الايجابية إلى انه اختير للتجسس على شواطئ اسبانيا على الحسناوات لخطفهن وضرب السياحة الاسبانية لمصلحة السياحة التركية أو القيام بعملية جاسوسية سياسة، ويتمادى في أحلام يقظته التي تستغرق خمسين صفحة ويفاجأ بأنه مطلوب ليكون مصارعاً للثيران فكيف وقع الاختيار عليه وهو لم يصارع قطة في حياته؟! يطمئنه البابا بأنهم سيتكفلون بكل شيء في المخابر من غير أن يذرف قطرة دم واحدة أمام ثيران اسبانيا الهائجة والقاتلة.
وفعلا يقومون بتلفيق كل شيء. يزورون الصور لمحمود، و«يمنت جون» الأفلام ويظهرونه بطلا يصرع الثيران الهائجة في حلبات اسبانيا!، وعندما تحين ساعة عودة البطل إلى أرض الوطن يعود بتاريخ حافل بالصور والتذكارات المليئة بصور صراع الثيران وجندلتها والتي بلغ عددها مائة واحد عشر ثورا! كما انهم يدبرون له زوجة إسبانية اسمها كارمن، ستلحقه فيما بعد إلى تركيا؟
بين ليلة وضحاها تحولت قرية محمود آباد من تلك البلدة المهملة من كل مرافق الحياة إلى مدينة محمود. فقد اُختيرت لتكون مسقط رأس «الماتادور» محمود. لقد أصبحت مشغلا وطنيا وقوميا، وصار رئيس البلدية بيرم افندي أهم شخصية يُعتمد عليها في صناعة «ايقنة» البطل القومي محمود وتعظيمه، فيقيم له تمثالا ضخم مكان الخرابة التي كانت مخزناً للتبن.
وتجند العصابة الحكواتية في البلدة لاختلاق الحكايات عن أسرة محمود العريقة أمام شاشات القنوات التلفزيونية. حتى كارمن زوجة البطل المزعومة أُحضرت من أسبانيا إلى بلدة حبيبها وهي في الحقيقة ليست سوى الفتاة التركية قدرية.. حتى أن الشعب بأكمله قد نسي مشاكله المزمنة وانشغل «بالماتادور» محمود وأخباره..
وتستغل من وراء هذه اللعبة عصابات المافيا التركية المدينة التي تطلق عليها اسمه وتصنع له تاريخاً تلبدا وتنصب له أنصاباً في الساحات، وتبيع الصور والمواد الاستهلاكية التي حملت صورته واسمه، وتكون المفارقة الكبرى عندما تذهب السكرة وتجيء الفكرة فقد أعلن رئيس البلدية عن قيام مهرجان مصارعة ثيران هو الأول من نوعه في البلد (سيكون كبير مصارعينا ابن بلدنا وروحنا، وبطلنا القومي محمود بيننا.. ابن بلدنا الذي قتل مائة وأحد عشر ثوراً في أسبانيا سيقتل الثور المائة والثاني عشر هنا..) .
ويكون على محمود مصارعة الثيران أمام الجماهير التركية، لقد انقلب السحر على الساحر وتحاول المافيا تدبير حيلة تخلص بها من المأزق، فحبل الكذب قصير، والحيلة السابقة سيتم الخلاص منها بحيلة اكبر وهي البحث عن مصارع شبيه يقوم بدور المصارع الأكذوبة حتى تنقذ بطلها المزيف من الفضيحة!
لقد حانت لحظة الحقيقة فما العمل؟
تتقدم اقتراحات مضحكة لإنقاذ الموقف الحرج؛ كأن يقوم مربو الثيران بإرهاق ثور حتى الإنهاك ودفعه إلى الحلبة، أو تنكير بقرة بهيئة ثور؟ لكن لا بد مما ليس منه بد، ويكون ثمن الخدعة أن يدفع محمود دمه على قرون الثور الاسباني ثمناً للعبة الكبيرة التي نهبت فيها المدينة نهبا، ومات فيها المصارع المزيف المغدور والضحية بنطحة ثور حقيقي في الحلبة هذه المرة.
الكتاب: مصارع الثيران
تأليف: مظفر أزغو
الناشر: يالي ـ اسطنبول 1999
الصفحات: 219 صفحة
أحمد عمر
