شكل صدور الرواية الثانية للكاتب الماليزي تاش أو، مؤخراً، بعنوان «خارطة العالم المضيء» الأرضية التي انطلقت منها مطبوعة «جولياث بزنس نيوز» لإجراء هذه المقابلة معه، حيث ألقى الضوء على التحديات التي تواجه كاتباً آسيوياً يريد أن يبدع من واقع عالمه ومشاعره في مواجهة التوقعات المسبقة التي ينتظرها منه القراء والناشرون الغربيون، وتطرق إلى صلته بشخصياته، ومطاردة ما يسمى بالصوت الآسيوي التي أعرب عن اعتقاده بأنها مهمة مستحيلة، مشيراً إلى أن شخصياته تواجه عالماً لا تشعر فيه بالراحة ولا باليقين. وفيما يلي نص المقابلة:
منى مدكور
إلام تعزو الحماس الكبير والغور الذي قوبل به صدور روايتيك الأولى والثانية في بريطانيا وعبر البحار؟
يريد المثالي الكامن في أعماقي الاعتقاد بأن ذلك يرجع إلى أن الناشرين والقراء على حد سواء قد انفعلوا لاكتشاف كتابة تجديدية، وبصفة خاصة كتابة تضرب جذورها في ثقافات غير غربية، فالثقافة الغربية الآن تشعر غالباً بالتخمة والتشاؤم، وأحب أن أعتقد أن القراء تؤثر فيهم الفكرة القائلة إنه لا تزال هناك رواية ليست معتمدة بنفسها ولا ضيقة الأفق. وأود كذلك الاعتقاد أن كتبي تفعل شيئاً مختلفاً تمام الاختلاف عن الكتب الأخرى التي تضرب جذورها في آسيا، وأنها تشير إلى المناطق الشاسعة التي يمكن أن تخاطر الرواية بالتوغل فيها.
غير أن الواقعي في أعماقي يعرف أن جانباً على الأقل من جاذبية كتبي يكمن على وجه الدقة في أنها يمكن أن تسوق بهذه الطريقة، وأن أناساً بعينهم يعلقون قيمة تجديدية معينة عليها. وأنا أحاول أن أتجاهل هذا، فمهمة الكاتب ليست أن ينغمس في تعبئة كتبه وبيعها.
بينما تتركز روايتك الثانية على منتصف الستينات في إندونيسيا وماليزيا، فإن روايتك الأولى «مصنع الحرير» تتركز بصفة أساسية على أوائل الأربعينات قبيل الغزو الياباني للملايو البريطانية، وهي رواية مكتوبة بالإنجليزية.
ماذا كانت لغة التواصل في وادي كينتا في الأربعينات وهل كان الناس هناك يميلون إلى استخدام اللغة الإنجليزية كلغة للتفاهم فيما بينهم؟
من المؤكد على وجه التقريب أنها كانت ستكون مزيجاً من اللهجات الصينية، هوكين، هاكا، والمالاوية. وكان يمكن للصينيين الحديث باللغات الثلاث جميعها، ولكن ربما لم يكن بمقدور أبناء المالايو الحديث بالصينية.
وكان هناك عدد محدود للغاية من الأشخاص الذين تلقوا تعليماً أفضل والذين كانوا يميلون إلى الحديث بالإنجليزية فيما بينهم. وكانوا يتحدثون بلغتين والموقف نفسه ينطبق اليوم.
إذن فأنت تقول إن اللغة الإنجليزية كانت آنذاك، على نحو ما هو الآن، مؤشر إلى التقدم الاجتماعي؟
نعم، تماماً.
كيف تتحدث مع عائلتك؟
إنني أتحدث مع عائلتي بمزيج من الصينية والإنجليزية. ونحن لا يحادث أحدنا الآخر بلغة المالايو أبداً، وذلك على الرغم من أنني أتحدث لغة المالايو والصينية بالجودة نفسها.
هل تميل الانقطاعات والثغرات وفترات الصمت إلى الإشارة ليس إلى الإغلاق وحده وإنما أيضاً إلى نوع من المعنى المتكامل الذي لا سبيل إلى تحقيقه؟
لقد أردت أن أجمع الشخصيات معاً عن طريق وحدة غرض معينة. وفي البداية قصدت أن تتراكم التفاصيل، ولكن ذلك لم يحدث. وقد قاومت نهاية يلتقي فيها الجميع ويوضحون مواقفهم، على نحو ما يحدث في روايات أجاثا كريستي.
وأياً كانت الوحدة التي نجحت في استجماع شتاتها فإنها تعني أن القارئ عليه أن يتعايش مع جيوب من الخواء. وقد كنت بسبيلي إلى الانتهاء من روايتي الأولى عندما كنت لا أزال أدرس في إيست إنجليا. وقال بعض الأكاديميين إن الرواية مضطربة للغاية. إن نقص المعرفة بين الشخصيات يوجد مساواة معينة بينها، فجميعها شخصيات جاهلة.
من الثغرات المعرفية المهمة تلك التي تحيط بهوية والد جاسبر في روايتك. وفي هذه الرواية قدر كبير من الطاقة العاطفية والجنسية تدور في أكثر أشكالها صراحة حول شخصية سنو، المرأة الصينية المنطلقة من الشريحة العليا من الطبقة المتوسطة.
وزوجها حبون، الذي كان في وقت من الأوقات صبياً فلاحاً وأصبح رجل أعمال محلياً بارزاً، هو تجسيد للافتقار للبراعة، وسلوكه يوحي بالغموض فيما يتعلق بهويته في هذا المجال. وبالطبع، وخلافاً لما يحدث في الرواية الكولونيالية حيث الرغبات الجنسية، أو «الخروج عن المألوف» من سمات الشخصيات الثانوية، فإن النشاط الجنسي للشخصية الإنجليزية الرئيسية، بيتر، محيرة كذلك. وشخصية هوني مقموعة بدورها، فيما تجسد كذلك سمات الكلونيالي البريطاني.
ما من شخصية من شخصياتي تحس بالارتياح أو اليقين كلية في عالمها. ونشاطها العاطفي والجنسي يعكس ما يجري حولها، فكل الحدود العضوية والجغرافية والتاريخية تتغير حولها، وملكية المنطقة تتغير. وهذا السؤال يذكرني برواية جي جي فايل «قبضة سنغافورة». إن عالمه أكثر تنظيماً، وبالنسبة لي فإنه يوحي بأنه أقل واقعية بكثير . وفي ذلك الكتاب تبدو كل النساء الصينيات إما خادمات أو عاهرات.
لقد أخذت على كاهلك مهمة تقديم الخطاب الأنثوي على امتداد ثلث نصك. وكان جيمس جويس قد تلقى الكثير من المديح والإشادة وأيضاً النقد لمحاولته إبداع شخصيته مولي بلوم ومونولوجها الأخير في رواية «عوليس». فهل لي أن أطلب منك الحديث عن مدى وعيك بالمشكلة المتضمنة في هذا؟
كنت على تمام الوعي بهذه المشكلة، وبصفة عامة فإنني لا أهتم أبداً بالكيفية التي يشعر بها الرجال والنساء أو يتصرفون. فمناط اهتمامي هو كيف يحس رجل بعينه وكيف يشعر ويتصرف ويتحدث، فالأمر كله متعلق بالشخصية المفردة. وخلافاً للصورة النمطية، التي تدور حول فكرة المرأة الصينية المثيرة والرقيقة ذات الشعر الأسود المسترسل، فإن سنو من الناحية العضوية خنثوية قليلاً.
وهي أيضاً امرأة صارمة، لا ترحم، وقد أردت أن ينعكس هذا في سردها الذي ينطلق بضمير المتكلم، أردت أن أوجد بديلاً للتوقعات المتعلقة بالصورة النمطية. فعندما يرى الناس رواية مكتوبة بضمير المتكلمة، في شكل يوميات، تعود إلى 1941 في مالايو، نجد أن التوقعات هي أنها ستكون حميمة ورقيقة للغاية، وعاطفية تماماً.
وعندما بدأت كان عليَّ التساؤل إلى أي حد يمكن لأمرأة صينية في 1941 أن تكون صريحة بالفعل على الصعيد العاطفي وصادقة بالطريقة التي نتوقعها نحن الذين نعيش في مجتمع ما بعد فرويدي. وقادني ذلك إلى أن أحدث نفسي بأن عليَّ أن أمنحها كل الأشياء التي لا تحظى بها امرأة أبداً في الروايات.
لسوف امنحها الرحلة البرية، وبالتالي فإنه في الجزء الخاص بها من الرواية يمضي الجميع في الحركية والمغامرات، وفي هذا الجزء تقع غالبية الأحداث، إنها تحظى بالإثارة النفسية، وهي تغدو صارمة للغاية بطريقة نتوقعها تقليدياً من الرجال ولا نتوقعها من النساء الصينيات في عام 1941.
وتلك هي الأمور الرئيسية التي كنت مهتماً بها عدما كتبت الجزء الخاص بها من الرواية، ولم أكن مهتماً على الإطلاق بمحاولة وضع يدي بدقة على صيغة انثوية أصيلة، فذلك يشبه محاولة الإمساك بالصوت الآسيوي الأصيل، وليس هناك من سبيل للقيام بذلك، فليس هناك إلا أفراد فحسب.
