لا يختلف اثنان على المكانة العلمية والثقافية والاجتماعية المرموقة التي تتمتع بها عائلة الشيخ سيدي(1776-1868) ليس بين أبناء المجتمع الموريتاني فحسب وإنما بين أبناء شعوب شمال وغرب القارة السمراء أيضا، تأتي مكتبة «أهل الشيخ سيدي» لتكرس تلك المكانة ولترقى بها وتضعها في قمة هرم المشهد الثقافي التراثي الموريتاني بكتبها ومخطوطاتها العتيقة وكنوزها المعرفية التي لا تقدر بثمن.

وفي مقدمها مخطوط كتبه ابن رشد الحفيد بخط يده. الجمهور في دولة الإمارات حظي برؤية ملمح من تلك الثروة الإنسانية في معرض «متون وفنون من شنقيط» الذي استضافته الشارقة، مؤخرا، في إطار مهرجان الفنون الإسلامية(فلك الفسيفساء)، حيث التقت صحيفة «البيان» بابا ولد هارون ممثل أسرة الشيخ سيدي والمشرف العام على مكتبة أهل الشيخ سيدي والمؤسسة التي تحمل الاسم نفسه وكان لها هذا الحوار معه.كيف تشكلت مكتبة أهل الشيخ سيدي؟الذي أسس هذه المكتبة هو جدنا الأكبر الشيخ سيدي الكبير وهو رجل معروف عنه في الساحة الموريتانية ومنطقة غرب أفريقيا بأنه شخصية علمية دينية وروحية وسياسية من الطراز الأول، وكان قد ارتحل طلبا للعلم في شبابه لمدة 37 قبل أن يعود إلى وطنه وقد حصل علما وفيرا فضلا عن اهتمامه باستنساخ أمهات الكتب العلمية والدينية والأدبية، وعندما رجع شيخا مهيبا إلى وطنه كانت من أهم أولوياته اقتناء وتحصيل الكتب.

وحينها راح يجمع الكتب فذهب إلى المغرب الأقصى حوالي سنة 1838 واشترى من هناك مكتبة كبيرة وجلبها إلى موريتانيا محمولة في صناديق من الخشب على ظهور الإبل. وبالإضافة إلى هذه المكتبة الكبيرة التي اقتناها من المغرب خلال تلك الرحلة، كان يشتري في وطنه كل ما أتيح له من كتب وكان لديه جماعة من المريدين والتلاميذ المحترفين، الذين لا شاغل لهم سوى إلا استنساخ الكتب، من هذه المنابع المختلفة تكونت المكتبة، لكن الأمر لم يتوقف عند حدود الجهود الذي بذلها الشيخ الكبير بل تعداه إلى ابنه، الذي لم يعمر طويلا، ومن ثم حفيده، الذي هو جدي المباشر.

وهو رجل عالم بلغ درجة الاجتهاد بشهادة كل معاصريه، فضلا عن إسهاماته في التأليف وفي اقتناء الكتب أيضا، وهنا تجدر الإشارة إلى أن حجم الكتب والمخطوطات المعروضة هنا لا يشكل سوى نحو 10% من الحجم الإجمالي لمحتويات المكتبة ألأصلية، التي تعو ملكيتها إلى فرع واحد من فروع الأسرة، ذلك أن كل فرع من فروع بقية الأسرة لديه مكتبته الخاصة أيضا، وهذا يعطي فكرة عن حجم الكنوز المعرفية التراثية التي يحتضنها المجتمع الموريتاني.

ماذا عن نوعية ومضامين تلك المقتنيات من الكتب، وهل كان للشيخين الجليلين اللذين قاما بجمعها اهتمامات ذات منحى معين دون غيره؟

نسيت القول إن هذه المسيرة التراكمية لم تتوقف عند هذين الرجلين فحسب، بل إن لبعض من أبناء وأحفاده الشيخ سيدي إسهامات ومؤلفات علمية مهمة شكلت إضافة نوعية في تلك المسيرة. وبالرجوع إلى نوعية هذه الكتب المخطوطات، يمكن القول إن المكتبة الموريتانية تهتم بالدرجة الأولى بكل العلوم الشرعية بدءا من علوم القرآن، التفسير، الخط النحو والإعراب وغيرها.

وكذلك الحديث النبوي الشريف، لكن السمة الأساسية هي الاهتمام بالفقه وفروعه، مع الأخذ في الاعتبار أنه للولوج إلى كل هذه العلوم هناك ما يسمى بعلم الآلة من نحو وصرف وبلاغة وأدب وبيان، ذلك أن الموريتانيين كانوا يولون هذا الجانب اهتماماً زائداً ، وتلاحظ عندما تتحدث إلى أحدهم، أنك غالبا ما تجد عنده حدا أدنى من علوم العربية، الأمر الذي يصعب أن تجده عند نظرائنا من بقية العالم الإسلامي باستثناء المتخصصين منهم. هذه نظرة شاملة حول مضامين تلك الكتب، وطبعا هناك في بعض الأحيان اهتمام بالرياضات والفلك والطب وهناك متون علمية أخرى لفهمها لا بد من فهم علم الآلة.

كما ذكرتم، فإن المسيرة التراكمية لجمع مقتنيات هذه المكتبة لم تتوقف في يوما ولا تزال مستمرة حتى يومنا هذا، ترى ما الجوانب التي تعملون عليها بغية إثراء هذا الصرح الثقافي؟

هذا سؤال مهم، ولكن أريد أن ألفت انتباهك إلى أن البيئة التي تكون فيها هؤلاء الرجال تغيرت بشكل جذري، لأنه بعد المد الاستعماري في بلدان العالم الثالث تحولت الاهتمامات والمناهج إلى نمط جديد من الثقافة، ومع ذلك، من الملاحظ أن أغلب الأجيال الصاعدة تحولت من المعارف التقليدية التي كانت سائدة إلى ما يسمى بالمعارف العصرية وطبعا فإن هذا المناخ يحد بدرجة كبيرة من المهتمين بالتراث الأصلي، والمشكلة المطروحة الآن تكمن في كيفية المحافظة على هذا الكم الهائل من التراث وكيف نخدمه عن طريق حفظه وصيانته وتحقيقه ومحاولة نشره لكي يتعرف عليه العالم.

وهذا أصبح في الوقت الراهن عملية معقدة وصعبة وتتجاوز الجهود الفردية، ونحن نقوم، بتواضع، ببذل كل ما في وسعنا في هذا الصدد ونود أن نجد الطريق التي تخدم هذا التراث وتصونه وتمكن وتساهم في تحقيقه ونشره حتى يكون في متناول القراء من جميع المشارب في العالمين العربي والإسلامي وحتى في العالم أجمع، لأن هذه العلوم تهم الجميع.

حتى اللحظة نحن نتحدث عن آليات اقتناء الكتب، لكن ماذا عن آليات نشر محتوياتها وتعميم الفائدة المرجوة منها كي لا تبقى حبيسة الجدران والرفوف، أي أن الحديث هنا يتأرجح بين جانبي الترف والضرورة في التعامل مع تلك المقتنيات؟

هذا صحيح، وأنا أضيف أن هؤلاء الرجال كانوا روادا وأساتذة ما يسمى عندنا بالمحاضر وهي عبارة عن جامعات محلية وهؤلاء الرجال كانوا يعلمون ويساهمون في نشر العلم على نطاق واسع.

هم أسسوا أول معهد تعليمي في المنطقة..

هذا المعهد، للتذكير، تخرج منه أغلب أطر المعربين في موريتانيا ومنطقة غرب أفريقيا وهذه إشارة ربما تفوت على كثير من الناس. وأنا أفهم جيدا ما قلت، ذلك أن الاحتفاظ بكنوز من هذا القبيل حبيسة الجدران ربما يصنف كترف فكري، لكني أرى الأمر من زاوية أخرى، أنا أرى في ذلك ضرورة، فما هي الخيارات المتاحة أمامنا؟

، ترى هل نرمي بعرض الحائط بهذا التراث؟ أم نحاول جهدنا أن نخدمه في إطار المتاح؟ أنا من القائلين بالخيار الثاني، نحن نقوم بالحفاظ على التراث وفق الإمكانيات المتاحة، كما أننا نحاول وسنظل نحاول إيجاد الوسائل المناسبة لأن نخدم هذا التراث كما ينبغي لكي يخرج من هذا الحبس الجدراني الذي ذكرت إلى الساحة الثقافية والفضاء المعرفي اللائق به ونرجو إن شاء الله أن تكلل مساعينا وجهودنا بالنجاح.

كما فهمت من تاريخ الشيخ سيدي، فلقد كان للرجل نشاط سياسي بارز في المجتمع آنذاك، لكن يبدو أن ذلك الدور السياسي لعائلة سيدي عموما يبهت في ظل حراك سياسي واسع النطاق تشهده موريتانيا منذ سنوات، ما هو مصير ذلك الدور السياسي؟

إن الظروف السياسية في موريتانيا تبدلت وتطورت بصورة كبيرة مع ظهور الدولة الحديثة، وعلى كل حال، فإن عائلتنا إذا لم تكن في الواجهة فإنها ليست غائبة عن الساحة السياسية ولها موقع ونفوذ فيها وبالتالي فإن دورها إذا كان قد تقلص بالمقارنة مع فترات سابقة أخرى من تاريخ البلاد، إلا انه لم يغب نهائيا.

المقصود هنا أن الشيخ سيدي الكبير كان يلعب دورا رئيسيا في رسم المعالم السياسية ليس في موريتانيا كما نعرفها اليوم وإنما في عموم المنطقة، حيث نظم أو اجتماع لأمرائها عام 1856وجمعهم تحت راية واحدة، لكن ماذا عن الدور الذي تلعبه عائلة سيدي في الوقت الحاضر؟

لدينا في موريتانيا تطور سياسي اجتماعي متميز، لأننا لم نحافظ على الواقع القبلي التقليدي كما هو حاصل في المشرق. هناك حراك وهناك تطور في المجتمع فرضتهما الدولة الجديدة في موريتانيا منذ الاستقلال وحتى الآن، وهذا التطور جاء على حساب كل النخب التقليدية التي كانت سائدة سابقا، لكن هذه النخب تأقلمت وتكيفت مع الواقع الجديد، بحيث بقي لها ما يناسب من الأدوار ضمن ما هو متاح حسب التطور العام.

أخشى ما أخشاه أن هذا المتاح قد وضع ذلك الإرث على الرفوف..

هذه التخوف غير مطلق، فلقد انخرطت مكونات العائلة في النسيج المجتمعي والسياسي وأصبحت تشكل جزءا من المجتمع المدني الموريتاني بكافة أطيافه، أي أن ذلك الدور انطلق من الإطار العائلي إلى إطار المجتمع المدني الأوسع نطاقا.

بالعودة إلى الدور التعليمي الذي تقوم به المكتبة والمعهد الذي أسسه الشيخ سيدي والذي تم تأميمه وأصبح مؤسسة تعليمية عامة، ماذا عن انتشار تعاليمها في المناطق المجاورة لموريتانيا أو حتى في أرجاء أخرى من العالمين العربي والإسلامي على غرار عرض جزء من مقتنياته في الشارقة؟

لم يحصل وأن خرجت مقتينيات المكتبة من موريتانيا، وهذه المرة الأولى التي يحدث وتعرض خارج البلاد من خلال هذا المشاركة في مهرجان الشارقة، ومرد ذلك للدور المتميز الذي تلعبه هذه الإمارة في دعم الثقافة العربية، التي كانت عاصمة لها عام 2007، ولقد لاحظنا اهتمام كبير هنا بالشأن الثقافي لا سيما من قبل سمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة ونحن نشكره ونثمن عاليا هذه المبادرة ونثمن دعوة دارة الثقافة في الشارقة لمكتتبنا وإتاحة الفرصة لنا للخروج بهذا الزخم لتعريف الناس هنا في المشرق بأن موريتانيا، بالرغم من بعدها الجغرافي عنكم وبالرغم من وجودها في أقصى العالم العربي، بالرغم من كل ذلك، فيها ثقافة عربية أصيلة تشهد عليها هذه الكنوز التي شاهدتم جزءا يسيرا منها.

ماذا عن التواصل بين المغرب والمشرق العربيين؟

نأمل أن يتعزز ذلك التواصل والتلاقح الثقافيين حتى تعم الفائدة على الجميع، لأن هذا التراث المشترك الذي يجمعنا وهذه الاهتمامات ينبغي أن تكون لكل منا وأن يخدمها الجميع كل حسب موقعه.

ألا تفكرون في نقل هذا المعرض إلى عواصم ومدن عربية أخرى؟

لم لا، لكن عملية نقل هذه المخطوطات ليست سهلة على الإطلاق، لأنه هناك مخاطرة كبيرة، وكانت في الحقيقة جرأة مني شخصيا رغم رؤيتي لكل التحديات ان اقبل بالمشاركة بهذا الزخم في هذا المعرض. على كل حال، لو أتيحت لي فرصة المشاركة في منتديات ومعارض أخرى في بقية المدن والعواصم الثقافية في العالم العربي، فإني لن أمانع، بل على العكس، فذلك مدعاة لسروري.

لا بد من التنويه أنه على الرغم من أن هذه المرة هي الأولى التي تخرج فيها تلك الكنوز من موريتانيا، إلا أنه هناك باحثون كثر من داخل وخارج موريتانيا يأتون لكي ينهلوا من علمها ويقدمون أعمالا وأطروحات ودراسات.

من بين مقتنيات المكتبة، يبرز مخطوط كتبه ابن رشد الحفيد، حبذا لو تعطينا فكرة عنه، وأي من العناوين النادرة الأخرى اللافتة التي لا بد، ان نتوقف عندها؟

بالإضافة إلى مخطوط ابن رشد الحفيد، يمكن الحديث في هذا الإطار عن كتاب «علوم القرآن»، «اللباب في حل مشكلات الكتاب»، «إتحاف ذوي الأرب في مقاصد الأنبياء»، «العرب» وكتاب «الاكتفاء بمغازي المستغاء وخلافة الخلفاء» للكلاعي الأندلسي وهناك تفسير لهذا الكتاب لمحمد بن حمدون الباني بعنوان «مغاني الوفاء بعاني الاكتفاء» .

ويقع في سبعة مجلدات وكتاب «التوضيح لخليل بن إسحاق وهناك مؤلفات لشيوخ موريتانيين مثل كتاب الأخبار لوادي هارون ابن الشيخ سيدي وهو عبارة عن موسوعة في التاريخ الأدبي والثقافي والسياسي والاجتماعي الموريتاني وكرس له 28 سنة من حياته لتأليفه وهو موسوعة على غرار كتب الإخباريين العرب القدماء وهي بالغة الأهمية ترك منها ما يزيد عن سبع آلاف صفحة مبيضة بالإضافة إلى ما يربو عن ثلاثة آلاف صفحة لم يسعفه الوقت لتبييضها.

هل لديكم قسم لصاينة الكتب والمخطوطات على غرار مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث؟

للأسف لا يوجد لدينا وسائل الصيانة والحفظ وهي محدودة إلى أقصى حدود، ونحن لا نجد غضاضة في قول ذلك.كما أننا نرغب في التعاون مع كل المهتمين في الشأن التراثي والخيرين الذين لديهم استعداد للتعاون في مجال خدمة هذا التراث العريق.

باسل أبو حمدة