ملاحظة أولى: اشترط علي الصديقُ الذي زودني بهذه الأوراق ألا أذكرَ اسمَ الشخص الانقلابي الذي تعود الأوراقُ له، وألا أحدد، حينما أستعرضُها، التاريخَ الحقيقي للأحداث التي يتحدث عنها، وقال موضحاً وجهة نظره:

- لا بأس أن تقول إن الأحداث جرت بين الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، ففي تلك الفترة وقعت في سورية انقلابات كثيرة،.. وفي كل الأحوال فإن المهم هو العبرة التي يمكن للمرء أن يستخصلها من هذه الأوراق، وليس إدانة أشخاص معينين دون غيرهم.ملاحظة ثانية: وأنا، من جهتي، لن أذكر الأحداث التي تضمنتها أوراقُ الانقلابي القديم كلها، بل سأكتفي بعرض بعضها، فبرأيي أن الأوراق ليست على سوية واحدة من الأهمية والخطورة.

الثلاثاء: 8 شباط (فبراير)..

نجاتي من الموت بحد ذاتها أعجوبة. أنا الآن في أحد الفنادق الرخيصة ببيروت عشيةَ وصولي إلى هنا ركضاً على الأقدام من منطقة «الزبداني» بريف دمشق عبر «ضهر البيدر» في رحلة ملأى بالذعر والمخاطر والأهوال.. رحلة مهلكة استمرت ثلاثة أيام بلياليها.

إنني أقف أمام مرآة الفندق العتيقة المغبشة، وأمد يدي وأتحسس خيالي في المرآة، كما لو أنني أريد أن أتأكد من أنني ما أزال على قيد الحياة! وأرفع وجهي إلى السماء وأشكر الله تعالى على أنه نجاني من بين العشرات من زملائي الذين لم يتمكنوا من الهرب فأعدمهم مجلس الثورة للانقلاب التالي لانقلابنا، دون استثناء.

يا الله! ما أكرمك!

الأحد: 19 تشرين الثاني (نوفمبر)..

أنا الآن مقيم في فيلا فخمة بسويسرا، بصفة لاجئ سياسي. أضحك في سري كلما شرعت بارتداء هذه الثياب الأوربية الأنيقة، وأقول: السياسة في بلادنا الشرقية هي أم الأعاجيب، فبين عشية وضحاها يصبح بعضُ العمال أو الفلاحين شبهُ الأميين حكاماً استثنائيين تعبدهم الجماهير، وتهتف بأسمائهم، وتسبغ عليهم ألقاباً ما أنزل الله بها من سلطان، بينما يُساق آخرون إلى السجون استعداداً لإعدامهم، باسم الله والوطن والشعب..، لكونهم متآمرين، عملاء، خونة! ومن ينجُ من الإعدام تفتحْ له البلاد المتحضرة أبوابها على مصراعيها، باعتباره لاجئاً سياسياً، تؤويه وتطعمه وتقدم له خرجية جيب!..

الثلاثاء 23 كانون الأول (ديسمبر)..

حضر صديقي وابن بلدي (محمد)، وهو الآخر لاجئ سياسي ينتمي إلى الجماعة الانقلابية التي سبقتنا، أعني أولئك الذين انقلبنا نحن عليهم وأعدمنا بعضهم، وسجنَّا بعضهم الآخر، وهرب طويلُ العمر منهم خارج البلاد. تعرفت على (محمد) هنا في سويسرا، ومن عجبي أنني لم أجد بيني وبينه أية ضغينة أو كراهية. بل إنه، حينما عرف أنني أسجل مذكراتي تبرع لمساعدتي في تبييضها وتصحيحها لغوياً، ولولاه لما كانت لهذه المذكرات أية قيمة، فأنا، من صغري، أكره الكتابة بسبب قواعد الإملاء الصعبة، بل وأكره القراءة، وحينما كنت هارباً في بيروت كنت مضطراً لقراءة الصحف السورية واللبنانية لأرى ما سيحل بي وبأمثالي، وكنت أرى في هذه القراءة نوعاً من التعذيب.

اليومَ، أعاد (محمد) إلى مجموعة أوراق كنت قد سلمتها له قبل أسبوعين، وقال لي:

- يا صديقي، نحن العرب معروفون بمجانبة الحقيقة. ونخاف من كتابتها أو التصريح بها. ولذلك قلما تجد زعيماً عربياً يكتب مذكرات ذات قيمة.

قلت: ماذا تقصد، محمد؟

قال: ذكرت لي ذات مرة أنك، بعد نجاح انقلابكم علينا، واستيلائكم على الحكم، أصبحتَ سفيرَنا في إحدى الدول الكبرى. ورويت لي أشياء طريفة جداً عن تلك التجربة. ولكنك لا تشير في مذكراتك إلى تلك الأشياء. كأنك تخجل من كتابتها؟

قلت: إكراماً لعينيك وعيني الحقيقة سأكتبها في الحال. خلال يومين أسلمك الأوراق.

31 كانون الأول (ديسمبر)..

إن أكبر خطأ يرتكبه الانقلابيون في البلدان المتخلفة هو أنهم ينقضّون على السلطة دون أن يكون لديهم تصور لما يجب عليهم فعله في اليوم الذي يلي للبلاغ رقم /1/. إنهم يعتقدون بأن الأركان الثلاثة لأي انقلاب ناجح هي: ولاء الجيش والشرطة لراعي الانقلاب ـ كتابة البلاغ رقم /1/ بطريقة مؤثرة ـ موافقة السفارة الأميركية. وهذا بالنسبة إليهم كل شيء.

نحن، على سبيل المثال، كنا ضامنين ولاءَ الجيش والشرطة لقائدنا، وكان ثمة رجل مشهور جداً يكتب البلاغات الأولى للانقلابات السورية كلها، اتصلنا به فكتب لنا بلاغاً مؤثراً حينما قريء علينا عشية الانقلاب كدت أنا أبكي، مع أنني أعرف أن معظم الأفكار الواردة فيه غير صحيحة، بل إن عكسها هو الصحيح! وكانت السفارة الأميركية في دمشق مغلقة، فحصلنا على موافقة السفارة الأميركية ببيروت، وقمنا بالانقلاب.

نجح انقلابُنا، والحمد لله، إلى أبعد الحدود، واستولينا على الإذاعة، وبدأت برقيات التأييد تنهمر علينا من داخل البلاد وخارجها مثل زخ المطر، وأعلنَّا أن قيادة «الثورة» ستضرب بيد من حديد على يدي كل من تسول له نفسُه العبث بمقدرات الشعب وإنجازات الثورة، إلخ.

وتقاسمنا، نحن أعضاء مجلس قيادة الثورة، المهامَّ الحكومية المتوفرة في البلاد دون صعوبات تذكر، ووزعنا الحقائب الحكومية فيما بيننا بطريقة تنم عن المحبة المتبادلة بيننا، والإيثار، حتى إن أحد الأطباء المشاركين في الانقلاب تنازل عن حقيبة وزارة الصحة لأحد أعضاء مجلس الثورة الذي يحمل شهادة متوسطة من المعهد البيطري، ورضي الطبيب بحقيبة وزارة الداخلية، لئلا يزعل منه العضو البيطري وتحصل حساسيات تنعكس سلباً على الشعب الصامد في وجه المؤامرات الصهيونية التي تدعمها الإمبريالية الأميركية والرجعية الداخلية وأذناب الاستعمار.

ولكن أخطر الأشياء التي لم نكن قد حسبنا لها حساباً هي تلك المتعلقة بالعمل الديبلوماسي. فبعد عشرة أيام فقط من تشكيل الحكومة المؤقتة اتصل بي رئيس مجلس قيادة الثورة وقال لي: أريدك في القصر حالاً.

فاتني أن أذكر لكم أن القيادة خصصت لكل واحد منا سيارة فخمة مع سائق خاص. وكان من نصيبي شخص يقال له «أبو ألبير» حضر إلى دمشق من إحدى القرى للعمل بوظيفة «مرمطون» في أحد المطاعم، وذات مرة حضر رئيس مجلس قيادة الثورة إلى المطعم، فاهتم به «أبو ألبير»، وقدم له ما تشتهيه نفسه، وسأله رئيس مجلس قيادة الثورة إن كان لديه طلب أو يحتاج إلى مساعدة، فقال له على الفور: أريد أن تؤمن لي وظيفة سائق لدى إحدى الجهات الحكومية، فوافق، وعينه بين مجموعة السائقين الذين عينوا لخدمة أعضاء مجلس الثورة. وبالمصادفة أفرزوه لي ليكون سائقي الخاص.

أوصلني «أبو ألبير» إلى القصر، واجتمعت مع الرئيس الذي حدثني عن همومه المستجدة وخصوصاً فيما يتعلق بإعادة التشكيل الوزاري، وعن القضية الأكثر صعوبة، وهي إرسال سفراء لنا إلى مختلف دول العالم بعدما غادرها سفراء العهد البائد. وبعد مناقشات طويلة أفهمني أن المصلحة العليا للبلاد تقتضي أن أتخلى عن حقيبة وزارة التموين.. وأقبل بوظيفة سفيرنا لدى المملكة الفلانية.

(ملاحظة: لم أذكر اسم المملكة للأسباب التي بينتها لحضراتكم أعلاه).

حينما حضر موفد خارجية المملكة الفلانية إلى دمشق من أجل التفاهم على سفري، خيرني بين أمرين، الأول أن يخصصوا لي سيارة وسائقاً من عندهم، والثاني أن أصطحب سائقي الخاص، وقال إنه يقدر المسائل الأمنية حق قدرها، فربما كنت أنا أثق بسائقي أكثر مما أثق بسائقهم.

والحقيقة هي أنني اخترت الحل الثاني لأن «أبا ألبير» حينما سمع بأنني عُينت سفيراً في المملكة الفلانية بقي أكثر من ساعة وهو يرجوني أن أصطحبه معي، لأن «أم ألبير» لديها حلم قديم يتلخص في زيارة عاصمتها والفرجة على معالمها السياحية الشهيرة. وزوجتي هي الأخرى مالت باتجاه هذا الحل، وقالت لي إن وجود امرأة تعرفها، وتتحدث بالعربية، مثل أم ألبير بجانبها سيساعدها على تقبل الحياة في بلاد الغربة.

1 كانون الثاني.. أول أيام السنة الجديدة

ليلة البارحة سهر أهل سويسرا حتى الصباح احتفالاً بالسنة الجديدة، وأما أنا فمع من أسهر؟ وهل توجد لدي قابلية للأكل والشراب والرقص مع النساء وما شابه ذلك؟ أبداً، الله وكيلكم من يوم أن قام الانقلابيون الآخرون بإسقاطنا وهروبي إلى لبنان لم أعرف معنى السعادة، أو معنى الحياة.

أمضيت الليلة البارحة بالكتابة، ونمت، ثم استيقظت على فكرة كانت تجول في لاشعوري ولكنني لم أستطع التقاطها، وهي التالية:

إن لنا، عند الله جل وعلا، كرامة وخاطراً، لسببين، الأول أنه خلقنا ضمن الرقعة الجغرافية للدول المتخلفة، وهذا بحد ذاته محنة، والثاني أنه ألهمنا على أن نشتغل في السياسة، وأنت يا أخي الكريم الذي ستقع في يدك مذكراتي وتقرؤها، تعرف ماذا يعني أن يشتغل أبناء العالم الثالث بالسياسة! ولهذا فهو، أعني حضرة الله تعالى، يعيننا، حينما نقع في المصائب، على الخروج منها بأقل ما يمكن من الخسائر.

إن الأزمة التي تعرضت لها يوم مقابلة ملك المملكة الفلانية كانت قاصمة للظهر، فرجال المراسم الذين حضروا إلى مكان إقامتي، وأبلغوني بموعد الاجتماع، اشترطوا علي أن أصطحب معي زوجتي، باعتبار أن الملكة تشارك زوجها في هذه الأعمال، وأن تكون من دون حجاب، وطلبوا مني أن أرتدي الأوسمة التي حصلت عليها فيما مضى من حياتي السياسية.

خلال ثلاث دقائق فقط من مغادرة رجال المراسم مكان إقامتي وصل الأمر بيني وبين زوجتي إلى تخوم الطلاق، وهي لم تترك لي فرصة للأخذ والعطاء في هذه المسألة، إذ قالت بحسم:

إما أن تغض النظر عن أمر مرافقتي إياك من دون حجاب، أو احجز لي على أقرب طائرة إلى البلد، بعد أن تحلف علي يمين الطلاق، ولكَ علي أن أعفيك من المتقدم والمتأخر، وكل ما لي في رقبتك من حقوق.

فجأة دخل أبو ألبير، ويبدو أنه سمع صراخنا وعرف ما هي المشكلة، قال:

اعذرني سيدي. أنا لدي حل.

قلت: وماذا تنتظر يا أبا ألبير؟ قله بسرعة.

قال: خذ معك أم ألبير!!.. أنا لا أعتقد أن جلالة الملك سيطلب منك عقد القران ليتأكد من أنها زوجتك!

من دون أن أدري وجدت نفسي أعانق أبا ألبير، وكادت عيناي تدمعان من شدة الفرح.

واستأنف قائلاً: أما مشكلة الوسام فمحلولة. الآن أنزل أنا إلى السوق، وأشتري لك أي وسام يقع بصري عليه، علقه على جاكيتك، وقابل جلالة الملك، واخلص من هذه الصرعة.

1 كانون الثاني.. الساعة الحادية عشرة ليلاً

أمضيت النهار كله وأنا أكتب وأبيض الأوراق الخاصة بمقابلتي لملك البلاد، وأدائي اليمين الدستورية بوصفي سفيراً لبلدي لدى مملكته.

في الحقيقة.. لقد تم كل شيء على ما يرام، والسيدة أم ألبير قامت بالدور المطلوب منها على أكمل وجه، فكأنها أمضت عمرها كله وهي زوجة سفير.. ومن الحسن الحظ أنني لم أعلق الوسام الذي أحضره لي أبو ألبير من السوق على صدري، فقد انتبهت في آخر لحظة إلى أنه يرمز لنصر «الدولة العلانية» على «المملكة الفلانية» في الحرب الطاحنة التي دارت بينهما قبل حوالي نصف قرن.

الشيء الوحيد الذي لم أستطع تفسيره هو أن وجه الملك كان مكفهراً طيلة فترة الاستقبال وأداء اليمين الدستوري.

في البداية ظننت أن هذا من طبيعة مراسم استقبال السفراء في مملكتهم.. ولكن، حينما غادرنا القصر الملكي، لحق بي رئيس فرقة المراسم، وقال لي بتهذيب جم:

يبلغك جلالة الملك وجلالة الملكة تحياتهما، وتمنياتهما لكم بإقامة جميلة في ربوع مملكتنا، ولكنه لم يكن لائقاً أن تحضر معك زوجة سائقك! كان بإمكانك أن تعرض علينا ظروفك، ونحن نتفهمها بالتأكيد!

خطيب بدلة في سطور

قاص وسيناريست سوري من جيل الثمانينات، له عشر مجموعات قصصية مطبوعة، ومجموعة من النصوص الساخرة صدرت مؤخراً بعنوان «احترامي سيدي المواطن»، وله بضعة مسلسلات تلفزيونية وإذاعية، تتميز أعماله بالسخرية المريرة.