الدكتور صبري حافظ من أبرز المتخصصين في الثقافة العربية بالغرب، وهو يقوم بتدريس الأدب العربي الحديث والمقارن في جامعة لندن، وهو أيضا مؤسس أول مجلة أدبية متخصصة على الإنترنت تعبر عن قضايا وهموم الثقافة العربية أكد خلال حوار مع »مسارات ان المشروع الثقافي فريضة غائبة كما ان التبعية السياسية هي أصل الداء ، كما تطرق الناقد صبري الحافظ في الحوار إلى تجربة العواصم الثقافية العربية فأعلن أنها تكرس الاستبداد كما ناقش قضايا الثقافة العربية وأوضاعها الراهنة ورؤيته لمستقبلها، وفيما الحوار التالي نصه:

ولاء عبدالله

بداية نود تسليط الضوء على إصدار مجلة «الكلمة» كوسيط ثقافي على الإنترنت؟

«الكلمة» مجلة أدبية شهرية إلكترونية وهى أول مجلة متخصصة في الثقافة تصدر على الإنترنت، وتنطلق من التقاليد التي أرستها الثقافة العربية منذ «روضة المدارس» مرورًا بـ «الأستاذ» عبدالله النديم، و«الهلال» لجورجي زيدان ووصولاً إلى «المجلة» ليحيى حقي، و«الكرامة» ليحيى درويش، فهذه الإنجازات التي كرستها الثقافة العربية في المجلة الورقية هى ما تطمع «الكلمة» إلى إعادته وتأسيسه في الفضاء الإلكتروني لقارئ القرن ال21، وتسعى لتقديم أفضل ما في الثقافة العربية العقلانية المستنيرة في لحظتها الراهنة، وهى مجلة شهرية تصدر على الإنترنت، وإن كانت جاهزة للطباعة في أي مكان بالوطن إلا أنها تصدر من لندن.

مجال طارد

لماذا لجأت إلى لندن تحديدا لتكون مركزا لإصدار «الكلمة»؟

هنالك عوامل كانت وراء اختيار لندن، والبداية كانت عندما تلقيت دعوة للمشاركة في ندوة علمية هناك، ثم قررت الدراسة والإقامة فيها، ثم كان هناك عاملٌ آخر، وهو أن السبعينات كانت تمثل مناخا طاردا للفكر النقدي والعقل المستنير في مصر، مما أكد لديّ فكرة البقاء في لندن، وفي نهاية السبعينات فكرت في العودة مرة أخرى، ولكنني وجدت أن المجال الطارد لا يزال قائمًا فعدت مرة أخرى إلى لندن وقررت البقاء هناك.

تقوم بتدريس الأدب العربي في لندن منذ أعوام طويلة، فمن هم الطلاب الذين يقبلون على دراسة الأدب العربي في الغرب؟

أنا أدرس في جامعة لندن لأكثر من 20عاما، وعلى مدار ذلك الوقت يتغير عدد الطلاب وطبيعتهم، في البداية كان معظمهم في المراحل الجامعية قبل الليسانس فمنهم الإنجليزي والأوروبي، والعرب كانوا يأتون لدراسة الماجستير والدكتوراه فقط، لكن في العقد الأخير ظهر أبناء المهاجرين العرب أو المسلمين الذين نشأوا في بريطانيا فأصبح الطلاب خليطا من العالم العربي والإسلامي وأوروبا، في حين قلت أعداد العرب الوافدين للدكتوراه وزاد الإنجليزي والأوروبي.

لكن هل الاتجاه نحو الدراسة العربية وآدابها تأثر عقب أحداث 11 سبتمبر؟

إلى حد ما حدث ذلك في بريطانيا، لكن التغيير الأكبر في أمريكا فقد خصصت الحكومة ميزانيات لدراسة اللغة العربية بالدرجة الأولى ثم الثقافة بالدرجة الثانية، والأدب في الدرجة الثالثة ثم السياسة بعد ذلك، وهو ما يظهر من خلاله أن الأمريكيين يودون معرفة الطريقة التي يفكر بها العالم العربي.

ما تقييمك لأوضاع الثقافة العربية وأنت تنظر لها من الخارج وتتضح أمامك جميع معالمها؟

بصراحة تامة عندما ننظر للوضع الثقافي العربي الراهن من الخارج نجده في أسوأ حالاته، وهذا ناتج من أن الوضع السياسي العربي هو الآخر في أسوأ حالاته، فالعالم العربي ليس لديه مشروع واضح، كما أن العرب ليس لديهم دور فاعل على الساحة الدولية، فالتبعية السياسة تعادي بطبيعتها الوعي الثقافي النقدي الذي يطرح دائمًا أسئلة مقلقة وأحيانًا محرجة، وهذا عامل مهم من عوامل تردي الواقع الثقافي العربي، لكن هناك في المقابل وعيا ثقافيا يقاوم هذا التردي، ويطرح إبداعًا مختلفًا.

قلت إنه لا يوجد مشروع عربي مشترك، فماذا عن مشروع العواصم الثقافية العربية وما تقييمك له؟

أنا موجود في أوروبا وشاهدت عن قرب مشروع العواصم الثقافية الأوروبية، وحضرت أيضًا الاحتفاليات العربية في أكثر من عاصمة، ومن الغريب أن العواصم العربية تنقل عن المشروع الأوروبي، ولكن العرب لم يكن لديهم أي فهم على الإطلاق لجوهر المشروع الأوروبي، على سبيل المثال فالثقافة المصرية ليست هى الموالد والمهرجانات والرقص.

وهى السمة الواضحة الغالبة على المشهد الثقافي الرسمي الذي يخرج للمهرجانات، وهو جزء من سلوك لمحاربة الثقافة وتحويلها إلى نمط من أنماط المشاهدة وليست أداة للتفعيل، وهذا النوع من التوجه الرسمي للثقافة هو الذي سيطر على التصور العربي لمشروع العواصم الثقافية، إضافة إلى ذلك فأنا اختار مدنًا ثقافية، ولم يشترط أن تكون هذه المدن هي العواصم، فألمانيا اختارت »أفايمار« ولم تختر برلين، وهكذا في جميع الدول.

يدور الحديث حاليًا عن الحريات في العالم العربي، فما رؤيتك لهامش الحريات المتاح ودرجة إعاقته للنشاط الإبداعي؟

الوطن العربي يعاني منذ نصف قرن من غياب الحريات بالمعنى الحقيقي، ولو كانت هناك حريات لما كان هناك أي مجال للحديث عن تردي الوضع الثقافي، فالثقافة تزدهر في الحرية، وصحيح أن الثقافة إحدى أدوات النضال من أجل الحرية والمحاربة للفساد إلا أن سيطرة المناخ القمعي تؤثر كثيرًا على الواقع الثقافي، لكن مع ذلك فمن المفارقات العربية أنه في العصور التي تتسم بالقمع الشديد ازدهرت فيها الثقافة على جميع المستويات.

أما في العصور التي ساد فيها التشدق بالحرية عانت الثقافة من الانهيار، ولا نجد في بلد كمصر مثلاً مجلة أدبية واحدة محترمة تصدر بانتظام دولي كما كان الحال في مصر نفسها في الستينات حينما كان هناك أكثر من 10 مجلات أدبية ثقافية محترمة تصدر في مواعيدها بدقة متناهية.