التاريخ كما يبدو يتكرر بالنسبة لهذا القصر تماما كما حصل في بداية القرن. عندما نشأت فكرة تغيير وظائف هذا القصر إلى وظائف أخرى، بدأت المشاريع المتنوعة تزدهر حيث أخذت العديد من الأفكار طريقها إلى أذهان المسؤولين عنه، فمنهم من فكر بإقامته مقراً لوزارة معينة وقسم آخر فكر بتحويله إلى مجرد مستودع.

في سنوات الستينات، تقرر أن يتحول هذا القصر إلى فندق عالمي ضخم غير انه سرعان ما تم إهمال هذه الفكرة. وفي عام 1970 تمت الموافقة على تهديم المحطة وتم منح رخصة بناء أخرى محل المحطة العتيقة. وعلى اثر ذلك بدأ الجدال بصدد هذا القصر من جديد. ومن ثم صدر القرار بتحويله إلى متحف يضم نفائس اللوحات في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. إن إنشاء متحف حديث عمل خطير بطبيعته إذ إن الشكل المعماري يطرح مشكلات عديدة كما إن الكمال التقني يواجه روح التحدي في جميع الميادين:

الإنارة، التبريد، الحماية، والراحة، وخصوصا، في حالة متحف أورسي الذي لم يؤسس منذ البداية على اعتباره متحفا إذ تطلب إعادة تعمير المحطة والمحافظة على فضائها الداخلي والأخذ بنظر الاعتبار عناصر البناء الأصلية والديكورات القديمة. إن حجم المحطة وقوة الأعمال الفنية سواء كانت لوحات أو تماثيل، تبرر شكلا آخر من احترام المعمار الجديد الذي أضيف إلى المعمار القديم حيث تم التوفيق بين المعمارين ومراعاة التمييز في الأشكال والبعد والألوان. الإنارة الطبيعية تصل إلى جميع مرافق المتحف بشكل غير مباشر. ومن هنا فان مبنى المحطة أعطى للمتحف مواصفات رائعة. انه منفتح على الفضاء الخارجي ويوفر مساحات شاسعة لاستقبال الجمهور. فالبار القديم المطل على الرصيف، تم تحويله إلى مكتبة المتحف وصالة الطعام التي كانت تستخدم حين تحولت المحطة إلى فندق، حولت كمطعم لزوار المتحف. المبنى الأصلي جميل في جميع أبعاده.

فالواجهة الأمامية، المطلة على نهر السين، رغم عظمتها كإحدى المباني الرسمية للقرن التاسع عشر، تتميز بروعة ديكوراتها البارزة وبساطتها الظاهرة. أما من الداخل فأبرز ما يميز المبنى هو الأقواس الحديدية المغطاة بالسقف الزجاجي، فتبدو رقعة السماء شفافة، وفي أغلب الأحيان مكتظة بكتل الغيوم.وقد أضافت المهندسة الإيطالية اولانتي شبكة من الجدران الصخرية وعددا من الأروقة والسطوح والغرف الصغيرة، مستوحية ذلك من تصميمات متحف الفن الحديث في مركز بومبيدو. أولانتي، تلعب على المعمار الذي خلفه لها منشئ المحطة المهندس الإيطالي فكتور لالوكس.

في بعض المناطق تغلق بعض الأقواس، وفي مناطق أخرى تظهر الواجهات. وبهذا الشكل فهي تخلق منظورات غير متوقعة، وغير مألوفة للهندسة المعمارية السائدة. اللوحات وذكريات السفر المحطة العتيقة، التي اكتظت بالذكريات والأسفار، تحتضن أرواحاً أخرى الآن.. إنها أرواح اللوحات والتماثيل التي صورت المخيلة الإنسانية في أجمل صورها. هذه الذكريات نراها في تجاعيد رجل شيخ وامرأة عجوز، يسيران جنباً إلى جنب على شاطئ السين أو تقابلهما في إنفاق المترو، أو ربما جاءا لرؤية هذا المتحف.. ليستعدوا ذكريات أسفارهم في هذه اللوحات التي لن ترحل في قطارات القرن الماضي.

اللوحات وتماثيل القرن الماضي مبعثرة هنا وهناك في متاحف المدن الفرنسية شاءت إرادة الفن أن تجتمع بين جدران محطة عتيقة، حولتها بنفسها إلى متحف.

كانت المحطة تستقبل 200 قطار يوميا نحو أطراف الجنوب ? الغربي من فرنسا. من هذا المكان كانت تنطلق الأمتعة والأطعمة واللوازم الأخرى لسجناء الحرب، ومن ثم إلى جيش التحرير. ذكريات السنوات الماضية تتوالى كشريط سينمائي في رأسي ذلك الشيخ وتلك العجوز اللذان يحدقان بحزن إلى اللوحات والتماثيل التي أخذت مواقعها في ذلك الفناء الشاسع. لا تزال صفارات القطار ترن في أذني الزوجين العجوزين كما ترن في أذني انهما يتذكران سنوات المراهقة عندما سافرا ذات يوم ممطر من هذه المحطة. إنهما يفكران الآن بتلك الأصوات. ويتساءلان: إلى أين ذهبت؟ هل احتفظت بها الجدران العتيقة الشاهقة؟

هل تلاشت مع الأمواج الهادئة لنهر السين أم تسربت إلى أوراق أشجار حديقة التويلري؟ القطارات التي كانت مودعة في هذه المحطة، صدئت والقضبان الحديدية امتزجت بالغبار هاهم العمال يرفعون تلك القضبان ويطاردون الفئران بفؤوسهم ومعاولهم، تلك التي ظلت سنوات طويلة تنخر الألواح الخشبية. هاهي أرواح اللوحات الفنية والتماثيل تطرد جميع الفئران التي استقرت وتوالدت سنوات طويلة في المحطة المهجورة.

متحف يختزل تاريخاً

أول ما يدهش زائر متحف أورسي هو الأبعاد والأحجام الاستثنائية لتوزيع كتل التماثيل واللوحات والقطع الفنية الأخرى، وكذلك استغلال الفضاء الذي تبلغ مساحته 17 ألف متر مربع. فالطوابق المتعددة تساهم في منح الأماكن المستفيضة لعرض اللوحات والتماثيل وخصوصا في تعرضها المباشر لأشعة الضوء الطبيعية. إنها اجتمعت هنا، في هذا المكان، تحت السقف المضاء، وكأنها أرادت أن تجمع روح عصر بأكمله.

كانت لوحات القرن الثامن عشر والتاسع عشر متناثرة هنا وهناك، وكان على الزائر الذي يرغب بمشاهدتها أن يقطع مسافات بعيدة، مئات الكيلومترات إلى المدن الفرنسية حيث تستقر المتاحف الصغيرة التي تضم هذه الأعمال.

وربما نتساءل: هل كان من السهل المحافظة على أعمال القرن التاسع عشر؟

فقد تعرضت هذه الأعمال لمختلف المضاربات المالية، وخصوصا، من قبل الرأسمال الأمريكي إلا أن خلق الميزانيات المالية المتعددة للحفاظ على التراث، أبقت هذه الأعمال الفرنسية في مكانها. يغطي متحف أورسي فترة واسعة من الفن التشكيلي «النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وهو مقسم إلى جزأين كبيرين يمتد الأول من نهاية سنوات 1840 حتى بداية سنوات 1870 فهذا الاتجاه، يبدأ من تراث الكبار، رواد الكلاسيكية الجديدة أمثال الفنان انغريه والرومانسية، ديلاكروا وشاسيريو..

مروراً بالفنانين الانتقائيين أمثال كوتور وكبائيل ومن ثم يغطي الاتجاه الواقعي الذي يمتد من الفنان دوميير والانطباعيين المستقبليين مرورا بالفنانين كوربيه ومانيه. أما الجزء الثاني فيمتد من الانطباعية حتى ولادة الفن الحدي أي تقريباً في عام ,1905.

فيغطي بذلك الاتجاهات الكبيرة للانطباعية بعد عام 1870 وما بعد الانطباعية أي الفنانين أمثال سيزان، فإن كوخ، لوتريك، رودان، سورا، وآخرون وينتهي المتحف بصالة تنفتح على آفاق ديريان، دوفي، كليمت، ماتيس مانش فان دونغان. ويحتوي المتحف أيضا على اتجاهات رسم الصالونات: الانتقائية الرسمية للجمهورية الثالثة التي امتدت حتى الإمبراطورية الثانية.

وهناك الموضوعات الطبيعية للفنانين: كورمون وباستين ليباج، ورسامي البورتريت في نهاية القرن أمثال بولديني وبلانش وبيسنار.. وكذلك المصادر المتنوعة للمدارس الأجنبية البلجيكية كينوف إشور فردريك، والإيطالية، بيليزا دا فولبيدو، الأميركية، هومر والأسبانية سورولا..

ليس من السهل أن تلتقي لوحات عظماء رواد الرسم في القرن التاسع أمثال انغريه، كوربيه مانيه وسيزان. هنا تتضارب الأساليب والمدارس وطرائق الرسم. ثمة أحداث هائلة تسربت آثارها إلى فن الرسم في هذه المرحلة: ثورة1848، آمال الجمهورية الثانية، ووصول نابليون إلى السلطة، وغنى الإمبراطورية الثانية، تراث الجمهورية الثالثة حيث منحت الفنانين حرية التعبير.

فالتقت العبقرية بالإبداع وازدهار معا. انفتحت الأبواب للجميع. أنها واترون الفنون التشكيلية كما أطلق عليها بعض المفكرين والنقاد آنذاك. أنه عصر ديلاكروا (1798 ـ 1883)، هذا البرجوازي البارز بقي أفصل من أعطى للفن الحديث سماته. يسحرنا مانيه بلوحاته المعلقة على الجدران مثل «الغداء على الأعشاب»، و«أولمبيا» و«الشرفة» الرسامون الألمان زينوا المتحف الجديد برومانسيتهم المتأخرة أمثال:أدولف فون مينزل (1815 ـ 1905) ويلهالم ليبل (1844 ـ 1900) وأنسليم فيورباخ (1829 ـ 1880) وسويس آرنولد بوكلن(1827 ـ 1901).

في أروقة هذا المتحف نتعرف على الثورة الهائلة التي أحدثها الفن الحديث الذي يشمل كل الفن الذي تم إنتاجه منذ العقد السابع في القرن التاسع عشر حتى اليوم أي مرحلتي الانطباعية والواقعية.

ويحتوي المتحف على أحد المعارض التي أقيمت في عام 1862 معرضا هامشيا أطلقت عليه «معرض المرفوضين» وذلك بهدف عرض اللوحات التي لا يوافق على عرشها الأكاديميون في معرضهم السنوي حيث قدم الرسام الفرنسي الشهير أدوار مانيه لوحته الشهيرة «غذاء على العشب». بول سيزان(1839 ـ 1906)، بلوحاته «ليستاد» و«مدخن الغليون» يستحضر لنا بداية الابتعاد عن الانطباعية حيث لم يعد الموضوع مهما عنده أو تلاعب الألوان وتغيرها بتغير الضوء كما هي الحال عند الانطباعيين، بل أن المهم هو مجموعة الأحجام الصغيرة التي يتألف منها الموضوع وهو الجبل والمنازل والأشجار. وهكذا فتح الباب أمام التكعيبية.

في الساحة الممتدة أمام متحف أورسي، تستقبلك ستة تماثيل ضخمة، ترمز إلى ست قارات، في البهو العلوي ترى تمثالا نصفيا لغوته (1831) لديفيد دي أنجيز، ومثالا لدانتي وفيرجيل (1852 ـ 1853)، تضفي على هذا المتحف جمالية خاصة في توزيع الفضاء. إنها جزء من الديكورات الداخلية والخارجية. وكذلك تحمل تأثيرات رودان على سابقيه.

وهذه التماثيل تعكس كل الاتجاهات الفنية من الكلاسيكية الجديدة إلى الرومانسية. خلال ستين عاما لم يتوقف الرسم عن النمو والتطور بل ظل النحت مقتصرا على الدراسة الأكاديمية للجسد الإنساني والجماليات الجديدة ومع رودان دخل النحت في مغامرته الكبرى الذي قادته إلى الحداثة أما في الفترة الثانية فقد بقي النحت الرسمي مخلصا للانتقائية الأكاديمية. وقد أثر رودان على نحاتين عديدن أمثال باري، رود بريول فريميه كاربو، بارتولدي، دالوكلوديل، وآخرين.

هذه اللوحات والتماثيل تجتذب يوميا آلاف الناس وأكثر.

الذاهبون إلى المحطة والمتحف، يبدو في وجوههم نوع من الدهشة. إنهم يدخلون إلى المتحف وفي عقولهم شيء من ذكريات المحطة أو يدخلون إلى المحطة وفي عقولهم شيء من ذكريات المتحف. ولكن من المثير أنهم يدخلون إلى المكانين في آن واحد. تختلط في عقولهم ذكريات المكانين وكأن ثمة انزلاق حصل في الزمان! هل كان يعتقد رسامو ونحاتو القرن التاسع عشر، حين أبدعوا أعمالهم الفنية في القبب الرطبة والكهوف المزينة والغرف المنعزلة أنها سوف تجتمع في هذه المحطة؟!

الفنانون رحلوا في هذه القطارات. انتظروا على الأرصفة وتأملوا الجدران القائمة وثمة من كان يحلم بتزيين هذه الجدران بلوحاته، لكنهم لم يتوقعوا يوماً أن تعلق لوحاتهم على جدران هذه المحطة العتيدة.

هكذا الفنانون، بكل عبثهم وهذيانهم، يريدون أن يزينوا كل جدران العالم بأعمالهم، وخصوصا المحطات التي عادة ما تكون مكتظة بالمسافرين.

تشكل محطة آورسي نموذجا للتناقضات الموجودة في عالم البناء المعماري لبداية القرن إذ يبلغ وزن الحديد المستخدم في الواجهات والسقف ما يعادل مرة ونصف وزن برج ايفيل.

إن خروج الدخان والبخار من القطارات جعل المهندس المعماري فيكتور لالو يلجأ إلى استحداث معمار غريب نوعا ما. في داخل هذه المحطة، ذات السقف المحدب تنعكس أشعة الشمس إلى الداخل، وتضئ اللوحات والتماثيل والقطع الفنية الأخرى. الساعة الجدارية الضخمة الكائنة في عمق المحطة، في الأعلى تشير عقاربها إلى مواعيد تحرك القطارات الليلية والنهارية.

وكذلك مواعيد المسافرين وتراقب أيضا عيون العشاق. وهذه الساعة الجدارية لم تزل في بناية المتحف الجديد، وهي لا تزال تعمل منذ عام 1830 حتى الآن. عندما تسير في أروقة المتحف تشعر بأن الضوء ينتشر في كل مكان، فالمناظر الطبيعية المرسومة على اللوحات تغرق في نور باهر لأنها معروضة في الغرف المطلة المباشرة على نهر السين.

وهنا يختلط الضوء الطبيعي للنهار والضوء الاصطناعي للمصابيح ويضفي مسحة خاصة على اللوحات المعروضة، ولكنه في أحيان كثيرة، يبرز بياض الجدران فيما يربك قليلا ألوان اللوحات.

في إحدى اللوحات، يتذكر الزائر: كيف جلست الأميرة بولين بورغير، شقيقة نابليون أمام النحات كانوفا عارية تماما لينحت لها تمثالا.

سألها أحد إن لم تشعر بصعوبة في الجلوس عارية أمام النحات؟

قالت: أبدا، لقد كان هناك نار في المدفأة.

كما إن من يتجول على رصيف أورسي، وينظر إلى نهر السين الهادئ، لا يستطيع أن يبعد عن رأسه صفارات القطارات الليلية.. لكن أصوات العبقرية حلت محلها بتحويل محطة قديمة إلى متحف مزدهر.

شاكر نوري