مؤسسات السينما الايطالية الرسمية والتجارية لا تخشى المغامرة بإعادة انتاج القديم ليكون حلة جديدة. فالجديد بحكم وضعها الاقتصادي الذي يفرض عليها تجنب الخسارة بل ارتياد الربح، قادر لخلق المناخ الملائم لمزيد من التقدم ومزيد من الإبداع، وبالتالي، تظل هذه السينما محافظة على مركزها الريادي.

ان مشكلة الإبداع في إيطاليا، هي مشكلة قائمة على الدوام باعتبارها مشكلة وجودية تنشأ عن التناقض الدائم بين الجمهور والفنان. السينما الايطالية الجديدة تحاول تجديد نفسها، من خلال تجديد التيار السياسي فيها، والذي شكل مدرسة منذ الستينات من القرن الماضي وكان المخرج فرانشيسكو روزي واحدا من أهم رواده، حيث تمتعت هذه المدرسة التي تأثر بها عدد كبير من المخرجين العالميين، بنهج محدد يعتمد على إعادة بناء الواقع المعاصر مستفيدا من الأحداث لقضية أو حادثة ليعيد بناؤها والوصول إلى تحليل ما يعتمد على معلومات موثقة وتقارير وشهود. واذا كنا نرى بان المستقبل لهذه السينما الجديدة، فلا يعني هذا نهاية السينما القديمة .وما قدمته من روائع إبداعية متميزة، لمخرجين عظام، ولكن سيبقى دائما نوعان من السينما، سينما خاصة تنزع على الدوام إلى امتلاك ناصية الإبداع.

وسينما عامة تظل على الدوام محافظة على التقاليد القديمة، ولا بد ان تتأثر السينما العامة بأساليب السينما الخاصة وتأخذ منها ما تراه ملائما لأغراضها، هذه الثنائية هي الوجه المتقدم للسينما الايطالية السياسية الجديدة والتي شكلت موجة مهمة خلال السنوات الأخيرة.

مزاوجة الجديد بالقديم

أفلام كثيرة رائعة أنتجت في الثلاثينات والأربعينات وحتى الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وجد لها عدد من المخرجين الشباب حلولا جديدة بالطرح لكي لا تغلق الجروح التي لايزال الجسد الايطالي يعاني من نزفها وتقرحاتها حتى الوقت الحاضر، بهدف إيصالها بنفس جيد إلى أوسع جمهور ممكن من الأجيال الجديدة، بجماليات جديدة.

وبوسائل التنفيذ التي استحدثتها التكنولوجيا الحديثة، لتعيد السينما السياسية إلى وظيفتها الحقيقية. وهذا ما فعله المخرج الايطالي جورجو كابيتاني بإعادة إخراج فيلم «قضية ماتيي» الذي قدمه فرانشيسكو روزي للسينما عام1972 بطولة الممثل القدير الراحل جان ماريا فولنتيه، ويعتبر من روائع السينما العالمية الخالدة ونال عليه الجائزة الكبرى لمهرجان كان السينمائي الدولي عام 1972 بالمناصفة مع الفيلم الايطالي الرائع «الطبقة العاملة تذهب إلى الجنة» إخراج اليو بيتري.

وروى من خلاله حادثة حقيقية، تتمثل بانفجار وسقوط طائرة خاصة يوم 27 اكتوبر1962 كان يركبها انريكو ماتيي رئيس مؤسسة «ايني» الايطالية الحكومية للبترول على خلفية صراعه مع الاحتكارات النفطية العالمية. هذا الرجل الذي ظل يكرر حتى النهاية وبالحرف الواحد «سوف أحارب الاحتكار في كل مكان».

من هو رجل التغيير؟

وانريكو ماتيي الذي يقوم بدوره في الفيلم الجديد الممثل الايطالي ماسيمو كيني والممثلة فيتوريا بيلفيديرا التي تقوم بدور زوجة ماتيي، ولد في مدينة بيزرو في الشمال الايطالي في بيئة فقيرة، كان أبوه يعمل في سلك قوات الدرك، وعمل هو منذ صباه في المعامل كصباغ ونال شهادة الدبلوم في الحسابات ودخل الجامعة أثناء فترة الصراع مع الفاشية الذي قادته تنظيمات الأنصار والمقاومة والتي انتمى إليها ليتزعم فيلقا كبيرا من أجنحتها تابعا للحزب الديمقراطي المسيحي.

ومن خلال عمله وجهاديته توصل مع زملاء له إلى وجود كميات كبيرة من غاز الميثان في وادي «البو» في المناطق الشمالية، سرعان ما حث الحكومة والحزب الديمقراطي المسيحي الذي كان يقودها باستغلال هذه الثروة الكبيرة لبلاد كان اغلب سكانها يعمل بالزراعة «من اجل تغيير وجه الحياة في ايطاليا الفقيرة» على حد زعمه،.

إلا ان أحدا لم يصدق اكتشافاته في بداية الأمر، إلى ان تمون بعض المؤسسات الحكومية مشروعه الاكتشافي من خلال تأسيس شركة أطلق عليها اسم «ايني» يترأسها انريكو ماتيي لاستخراج هذه الثروة حيث تتسع هذه الشركة وتكبر لتضم مؤسسات وفروع لإنتاج وتصدير وشراء البترول، وتمد أيديها لمساعدة الشعوب التي تريد التحرر من هيمنة المستعمر، كما قامت هذه المؤسسة الوطنية بتقديم مساعدات لعدد كبير من المنظمات والمؤسسات التربوية والثقافية في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية.

الريادة للمخرج روزي

وكما استفاد روزي بفيلمه «قضية ماتيي» من المنهج التسجيلي لعرض رؤيته لهذا الحادث، فان المخرج جورجو كابيتناني، أعاد هو الآخر بناء الحادث معتمدا على معلومات موثقة ومقابلات مباشرة مع أشخاص حقيقيين، وليسوا ممثلين، يفترض انهم على صلة ما بالحدث، وأيضاً على ما نشرته وكالات غربية للاستخبارات، مثلما فعل رزوي بتكليف صحفي يساري بجمع المعلومات حول عملية القتل، لكن الصحفي، وبعد ان جمع معلومات غزيرة تعرض بدوره للاغتيال.

وقد ظهر روزي الذي تجرد من أهواء المخرج ومشاعره الذاتية، ليروي هذا الحدث بحيادية تخص غيره، قدمها بفيلم درامي لا يعتمد على ترابط الأحداث وتسلسلها الزمني. لقد وضع المخرجان المتفرج أمام مهمة البحث والتفكير واستخلاص النتيجة التي عجز المحققون الرسميون الذين تولوا هذه القضية من الوصول إليها.

ملفات جديدة

فيلم «اغتيال الرجل الذي رأى المستقبل» هو في حقيقة الأمر يعمد إلى تجريد الواقع من حركته المؤلف أساسا من عنصرين أثنين هما: العصابة الإجرامية متمثلة بـ ( المافيا) والبوليس، تعتمد أيضاً على ان الحادث حقيقي بالتواريخ والأسماء والأماكن الحقيقية، وان عملية احتراق رئيس هذه المؤسسة الذي لم يتبق منه إلا بضعة كيلوات من جسده المحترق، وضعت في نعش لتجري عليها مراسيم رسمية ودينية للدفن، انها في الحقيقة جريمة اغتيال.

وان سقوط الطائرة عملية مدبرة للتخلص من هذا الرجل الذي أرادت الاحتكارات العالمية إسكات صوته لأنه أراد «تحطيم التوازن الدولي الذي لم تستطع حتى الحرب العالمية الثانية تحطيمه» حسب قول احد رجال الأعمال الأميركيين الذين التقوا بماتيي، حين اخبره وبصوت واضح وصريح «ان عهد القطط الصغيرة قد انتهى..

ونحن الذين سنحدد سعر البترول» ويشير إلى المترجم ليحكي قصة الكلاب السمينة والقطة الجائعة، فما كان من رجل الاحتكارات هذا إلا ان يرفض منطق ماتيي، فيقول «إنني أتساوم مع رجل بترول وليس بائع بترول» مما يضطر ماتيي ان ينتفض واقفا ليسحب حقيبته بعد ان شعر بإهانة كرامته ويقول للأميركي «سوف تندم يوما على هذه ما قلته الآن في حديثك معي».

موسى الخميسي