كأن كل ما يكوُّننا ويكسونا ويمتد من حولنا، يرتكز إلى فضيلة خيطية، حتى ونحن نتحدث عن روعة النص المكتوب، عن الكتابة التي يُعتَدُّ بتماسكها، بلحمة أفكارها دون تحديد النوع، وما يخص عامل الحبكة واختلاف وظائفها وتحولاتها.

يحيلنا الخيط إلى كل ما هو دقيق، ويظهر، وهو في دقته المعتبَرة والفعلية، متعدد المهام والدلالات، وهو الموصوف بالضعف وهنا تفصح قوته الخاصة والمعتبَرة. إن مهمته لا تقتصر فقط على الوصل والرتق في الخياطة العادية، وإنما في تشكيل الصور حيث الإبرة تحضر هنا، إذ يتداخل رأس الإبرة والخرم المتناهي الصغر، برأس الخيط المتناهي الدقة، ليكون فعل الخياطة كما هو فعل الرتق على أتمّ وجه.

وفي التذكير المستمر بطفولة معمَّرة بعوالم خيالية، لكأن بيننا وبين العوالم التي نحيط بنا ونحن نستشعرها، مثلما نتفاعل معها، شبكة من الخيوط الرفيعة: المرئية واللامرئية. ثمة الخيط المجازي كما في خيوط اللعبة، أو المؤامرة، ورأس الخيط، وتشميع الخيط... ، والخيط نصف المجازي أو الاستعاري، كما في خيط رفيع من الدم، أو الضوء.. ، وتتسلسل عناوين لها عقدتها الخيطية!

للخيط مكانة مؤثّرة، كما هو فعل الحكاية عبر الصوت، والخيط في السعادة التي تتملك الطفل عبر استعماله، وكأن هناك تبادل أدوار بين خفة الحركة الطفلية وشعوره بامتلاك العالم، وقدرة الخيط على التقريب بين مجموعة الأجسام المتميزة بالخفة من جهتها، وتلك القدرة على التحليق عالياً أمام ناظريه، أو في تلبية رغباته الطفلية المتوثبة لزمن قد يغطي طفولته كلها.

كما في الربط بين علب الكبريت الفارغة، والمهاتفة من خلالها، إلى الطيارة الورقية المربوطة بخيط يسهل اللعب بها، ليكون الطفل ذاته خيطاً رفيعاً متعدد الألوان لأهله، وهو يملأ عليهم عالمهم بما هو جميل وآسر، وليكون الخيط نفسه محسوداً على خفته وهو في نفاذه في الأجسام ونحو الأعلى مشدوداً بين كائنات يحملها الهواء عالياً والأيدي التي تبثها مشاعرها، وكأن لا فراغ في المحيط الخارجي.

يمتلك الخيط شاعرية وشائج القربى، فمناقب الخيط هذا كثيرة، حيث من الصعب التفكير في موضوع ما، في عالم ما، في جسم ما، إلا وهو موصول بعضه بالبعض الآخر في جملة عناصره بما هو خيطي، وذلك يمنحنا تمايزاً في الابتكار وفن المبادرة فيما يلهمنا بنسَب شتى، ونادراً ما يمكن الحديث عن مثلبة ما له، إنه واهب متعة وجالب سعادة في الطفولة، ويتراءى بالمقابل، وكأن كل ما يكوُّننا ويكسونا ويمتد من حولنا، يرتكز إلى فضيلة خيطية، حتى ونحن نتحدث عن روعة النص المكتوب، عن الكتابة التي يُعتَدُّ بتماسكها، بلحمة أفكارها دون تحديد النوع.

وما يخص عامل الحبكة واختلاف وظائفها وتحولاتها.. الخ، يكون الخيط ماثلاً أمام أنظارنا، أو على أهبة الاستعداد في إبراز ما هو معرَّف به، فالخيط الذي كان صانع دهشتنا الطفولية، يكون أداتنا وفاعل الدهشة، وإن بشكل مختلف، في نسج ما نقول وصياغة ما نفكّر لاحقاً ويثير استغراباً وهو يتجاوز ماديته أو حسيته، ويكون لامرئيُّه خلاف مرئيه كثيراً، إذ يفارق مفهومه أو اسمه، لكأن الكون ذاته بكل روعته، مترابط بمجموعة هائلة من الخيوط الرفيعة والقوية رغم رخاوتها. وربما كان من المستحيل التفكير فيما يثيرنا ويربطنا به بعيداً عن متحرك خيطيّ المقام. جائز هو القول: إن الشعور الخيطي، والإحساس الخيطي، والتفكير الخيطي، والمداد الخيطي... من علاماتنا الوجودية الفارقة غير المرئية.

إن الخطوط في جملتها وما ينوّع في أسمائها خيوط فائقة الوصف، فإذ نعبّد تلك أو نسلكها، أو نكتشفها فإنما نمارس لعبة الخيوط، نتقن صنعتها، أو نبرزها على قدر اهتمامنا بالعوالم التي تثيرنا بمدى حاجتنا إلى الخيوط في استمرارنا أحياء، في العمل الجراحي مثلاً وإيلائها أهمية لنكون أكثر كفاءة فيما يعنينا معاً، بقدر ما نكون جزءاً من اللعبة الكونية في شبكتها الخيطية المذهلة، في الجرم أو الجسم الكوني حيث يتم تمرير المؤثرات ونحن نتحدث عن الفتق والرتق، والخيط حاضر هنا لا بل هو الذي يسميهما. في الرتق والفتق نعيش حالة الحضور والغياب، وبحسب تقديرنا للأمور ولما نحن عليه قيمياً!

إن طواعية الخيط لنا، تتبع نظاماً دقيقاً من الحركة المتعددة الاتجاهات، من القيمة المعلَّقة والتي تستوجب النظر الدائم فيها، عندما تكون الحكمة: الحكمة الخيطية مأخوذة بعين الاعتبار، حيث يمكننا تلمس قويً كامنة في الرخاوة المنسوبة إليه، وكيف أن تفكيراً كهذا يرتد إلينا بالمزيد من السلبية، مثلما يترجم سلوكنا«اللادقيق» تجاه عالمنا وإزاء أفعالنا وأقوالنا.

وما أكثرها، ونحن نعيش في كل آن وحين، هذا الجمال الخيطي الذي يستحيل تجاهله، كلما أمكن التدقيق فيه، ولعل القوة الأكثر استحقاقاً وجدارة بالاعتماد هي تلك التي توسّع حدودنا، في رقعتنا الجغرافية، وليس عبر النظر فيما هو مميَّز بالضخامة والصلابة كما هو المعتاد كثيراً، على الأقل ونحن ننطلق من تكويننا العضوي، وما الذي يهبُنا تماسكاً عضوياً ويدعم ألفتنا، فلا يكون هناك ما يمكن تنحيته جانباً، أو اعتباره فاقداً للمعنى.

إن قدرتنا على وعي عالمنا، على استيعاب المستجد، على التفاعل الأمثل مع محيطنا، ونحن لا ننفكُّ نبالغ في خطورة موقعها، تتمثل في مدى معرفتنا لما ينفذ فيما حولنا، فيما يصلُنا به، في فاعلية المرونة التي تبقينا أكثر انفتاحاً على أنفسنا وعلى الجوار، وربما الخيط بتعدد أدواره يعلمنا الكثير هنا آلفاً بين جهاته، وربما طفولتنا التي كانت تندغم بالعالم، وتضفي على كل كائن فيه مسحة من الجمال المتجدد، وتكافؤ الأضداد بالذات ضمنياً وهي متفرعة في شبكة خيطانها، تعيننا، وتجعلنا أكثر تحرراً من وطأة اليومي وتصلب المواقف.. !

إبراهيم محمود