فينيسيا جدارية بألوان الماء تلوح لسياح العالم الذين يبلغ عددهم سنوياً 21 مليون سائح، بلاد الجندول والأساطير والأحلام، حلم داعب خيال كل عروس لقضاء شهر عسل مختلف، عروس لم تحلم بفارس يخطفها على حصان أبيض، ويطير بها في البعيد، ليحتضنها في نزهة بالجندول تشق شوارع فينيسيا العائمة في الماء منذ قرون.
يقول أحد كبار العاملين في مجال السياحة ايمانويل داي كارلو بكل فخر: «إلق بالخريطة التوضيحية للمدينة لأنك ستشق طريقك إلى الجمال والسحر بكل تلقائية، فالجمال لا خريطة له، يعبر عن ذاته ويلوح بأدواته الغامضة ليجذب العالم كله ليحط برحاله على أرض الأحلام العائمة. أرض الجندول والفابوريبو «التاكس العائم» والمتاحف والمقاهي التي تجذب عشاق الاكسبرسو والكابوتشينو و«البسكاتي»، وهو نوع من البسكويت الإيطالي الشهير في العالم كله، مذاق تختلط فيه نكهة اللوز والعسل والفانيلا، يذوب مع أول رشفة من الاكسبرسو الايطالي الشهير.«دع أهل فينيسيا يرتدون «البوت» الحذاء الجلدي المرتفع، وكذلك سياحها، نصيحة قد تبدو تهكمية عند سماعها للوهلة الأولى، ولكن من قالها يقصد الحقيقة والنصيحة الجادة، وهو عمدة فينيسيا ماسيمو كاسياري البروفيسور والباحث في علوم السياسة والفلسفة وأيضاً الخبير بشؤون السياحة والاقتصاد، والذي يتقن الألمانية والفرنسية والإغريقية القديمة.
ربما يكون على حق في نصيحته الجادة بحكم جدية منصبه وتاريخه الثقافي والفكري، ولكن سؤالاً جاداً أيضاً يطرح نفسه هنا: هل بالفعل انفعال البوت هو الحل؟ والحل لأي مشكلة؟تكوين مدينة فينيسيا الحالمة الرومانسية جعلها مدينة عائمة على سطح الماء، ومن هنا كان تفردها عن مدن العالم كله، ومن هنا أيضاً كان الجذب السياحي الهائل الذي تتمتع به، ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في المتغيرات المناخية العالمية، والتي غيرت إلى حد كبير الملامح المناخية، التي خرجت عن المألوف في العالم كله بسبب الارتفاع الحراري ومدى تأثيره على الدورة المناخية العالمية المعتادة.
فينيسيا واحدة من المدن التي قد تفقد مع الوقت جذبها وسحرها وجمالها الطبيعي، لأنها تتعرض للغرق بسبب الارتفاع الهائل للأمواج، الذي أدى بالضرورة لزيادة هائلة في ارتفاع منسوب المياه بالشوارع والطرقات والأزقة.
من هنا تبعث فينيسيا «رسالة من تحت الماء» كلها استغاثة، ترسلها للمسؤولين بها والاختصاصية في العالم لإيجاد تقنية معينة لإنقاذ المدينة من الغرق، لتعود تلوح لسياح العالم بالجاذبية ذاتها وبجمال وسحر هائلين هي لغتها التي تحاور بها السياح.
وبحجم الثقل السياحي والجمالي لفينيسيا، كان الجدال حول نوعية الخطر سواء أكان من زيادة ارتفاع منسوب البحر المؤثر عليها، أو هناك مشكلات أخرى يمكنها ان تخرج مدينة الأحلام من مجال السياحة العالمية، بعد ان كانت هي المدينة الأولى على المستوى السياحي.
يقول ماسيمو كاسياري بلهجة جادة، وكأنه يلقى بحثاً في أكاديمية علمية وليس في مؤتمر صحافي حضره صحافيون من مختلف أرجاء العالم جنباً إلى جنب مع الخبراء في حل مثل هذه المشكلات التي تجتاح المدن، وإن فينيسيا حالة خاصة جداً ـ يقول: «ليست زيادة الفيضان هي السبب الرئيسي للإطاحة بفينيسيا في غضون العقود المقبلة، وليس هو الورقة السوداء التي تغلف المكان فقط.
وإنما هناك العديد من المشكلات التي يمكن ان تنخفض تماماً نسبة السياح القاصدين تلك المدينة ذات التاريخ والجمال والتفرد، منها ارتفاع الأسعار بشكل جنوني مبالغ فيه، لا يحتمله أهل المدينة من مواطنيها ولا القادمين إليها من أنحاء العالم، فقد بلغت أجرة «الفابوريتو» ـ التاكسي العائم ـ أكثر من عشرة دولارات وهو ثمن مرتفع جداً مقارنة بما كانت عليه منذ عامين.
حيث كانت بحوالي أربعة دولارات فقط مع معاملة رائعة من السائق الذي ينتهي به الأمر بأن يكون صديقاً حميماً للراكبين فيه من السياح، ارتفاع أسعار طلبات مقاهي الأرصفة، فقد وصل ثمن فنجان الكابوتشينو أو الاكسبريسو إلى 15 دولاراً وهو ثمن مرتفع جداً، بالإضافة إلى ارتفاع ثمن الفنادق، حيث وصل ثمن الليلة الواحدة مع الإفطار فقط إلى ألف دولار في فندق خمس نجوم، وهي الفنادق التي كان يتوجه إليها كبار السياح والفنادق الأقل درجة «3 نجوم» مثلاً فالليلة الواحدة بالإفطار لا تقل عن خمسمئة دولار، فالمدينة إذن لا تغرق عملياً بسبب ارتفاع منسوب الماء، وانما أيضاً بسبب فخ الغلاء الذي يقع فيه جميع السياح القادمين إليها.
ويضيف كاسياري بالجدية ذاتها ان الميزانية المخصصة لترميم البنية التحتية للمدينة منخفضة، ولا تكفي، وخاصة الميزانية المخصصة لتنظيف الشوارع والقنوات المائية، بالإضافة لارتفاع أسعار المنازل والبطالة، كذلك انعدمت تقريباً الميزانية المخصصة لترميم الأماكن الأثرية ذات الجذب السياحي وترميم المتاحف والمعارض، كل هذه السلبيات مجتمعة قد تتراجع معها المدينة من حيث الجذب السياحي، فضلاً عن أن 20% من أهل البلاد يتركونها خاصة في الموسم السياحي، بسبب الارتفاع الهائل للأسعار.
والذي لا يتراجع تدريجيا فيما بعد، ومن هنا قد لا تصمد فينسيا أمام جذب سياحي أقل تكلفة ويتمتع بجماليات هائلة، كالمنتجعات الاسترالية، مثل منتجع «داريا» المعروفة باسم «تيك هابر» «أي استمتع بخصوصية وخلوة مع الطبيعة»، وهي منافس سياحي كبير.
وميدان سان ماركو واحد من أكثر الأماكن السياحية الرائعة في فينيسيا، ومعروف لدى سياح العالم، حيث تقع فيه كبريات المتاحف والملاهي والمعارض والمتاجر، وخصوصيته ترجع إلى انه مفرط في المحلية، ولكن مؤخراً تحول إلى متاجر تبيع منتجات صينية الصنع زهيدة الأسعار لا تمت للمكان بأي صلة، حتى بطاقات الصور التي كانت تعكس جماليات البلاد والتي كان ينهال عليها السواح، بالإضافة إلى المنمنمات التذكارية كالجندل والجداريات الصغيرة، جميعها مصنع في الصين، الأمر الذي أفقد المكان خصوصيته.
وإذا كنت من أهل المدينة، التي مازالت حلما كبيرا برغم التحديات السلبية ـ فما عليك إلا أن تكافح حتى يمر عليك اليوم بهدوء، فهل لم تبق المدينة التي عندما تلوح يأتي إليها أبناؤها والسياح ـ مثلما قال هنري جيمس ـ ولكن عليك ان تتحمل صعود الدرج لتصل للدور الخامس بدون مصعد، فالمصاعد معظمها معطلة لأسباب فنية تكلفتها عالية، وعليك ان تناطح أبواب المنازل لتفتح بأمان، بعد ان تمدد الخشب وصدأ الحديد الأسود المشغول يدوياً.
وإذا كانت جماليات المدينة تختزل في خصوصيتها وهدوئها، وكأنها أرض للأحلام الواعدة، وإذا كان هذا الجمال مهدراً، فأيضاً ربما تتحول الأحلام لإيقاعات صوتية غريبة عليها، التلوث الصوتي أصبح سمة من سمات المدينة، وتوارت الأضواء الخافتة، وكأنها كانت بقايا لفجر بكر يفصل بين الليل والنهار.. تعالت الأصوات وازدادت الأضواء والألعاب النارية وجميعها شكل جديد غير محبب لأهلها ولا زوارها.
فقد اضطر صاحب إحدى المكتبات لأن يبيع المكتبة بسبب الضجيج الحاد، الذي لا يدع لأحد ان يتهم بالثقافة التي لابد ان تولد وتستمر في مناخات هادئة. وتحول نشاط «فرانكوفيليبي» ـ صاحب المكتبة ـ إلى صاحب مقهى صغير في أحد أركان الشوارع، ولكنه مقهى مميز، فقد قام فرانكو بوضع «بوستر» أو ملصق لصور كبار الكتاب المحليين والعالميين، وأوضح أنه مع الوقت ربما يخصص ركناً لبيع الكتب داخل المقهى.
«عودة فينيسيا» شعار تجده في كل مكان، فالإنحدار لمثل هذه المدن العريقة لا يقول، فلها تاريخ وماض عريق، وجماليات طبيعية، وخصوصية متفردة في الشكل العام للمدينة، وجهود الحكومة والقائمين على البلاد، بالإضافة للمنظمات الدولية الجادة والجمعيات الأهلية المحلية، تضافر كل ذلك في منظومة واحدة جادة، قد ينشل المدينة من الغرق، ويرتفع بها مرة أخرى كما كانت «برنسيس المدن» أي أميرة المدائن، كما وصفها سلفادور دالي في كتيب صغير يباع مع لوحة للمدينة.
ومن هنا ـ وبعد أن تتمكن فينيسيا من استعادة نفسها ـ يمكنها ان تلوح لسواح العالم بكل الثقة الموعودة فيها، وفي بحث أصدره أحد المراكز الدولية بجامعة فينيسيا يؤكد الباحثون أن المدينة ستظل تتأرجح بين الهبوط والارتفاع النسبيين في كل المجالات، خلال فترة إعادة ترميمها، وإعادتها لسابق عهدها، فهي المدينة التي كان دخلها من السياحة فقط 15 مليار دولار سنوياً، ربما لا يعود هذا الرقم مرة أخرى، وإنما قد يصل إلى رقم قريب منه نسبياً.
«إليسا سيمنزاتو» صاحبة أحد الفنادق لـ 4 نجوم تقول إن الأمر ليس بهذا السوء، وصورة فينيسيا ليست رمادية كما وصفها الكثيرون، وهي مازالت رحلة الأحلام لدى العديد من الشعوب في مقدمتها البرازيل، والهند، واليابان، فالأفواج السياحية من هذه البلدان التي اعتادت ان تنزل في فندقي الذي يقاوم الغلاء ويقدم أرقى الخدمات، مازالت كما هي، وان كان عددها قد انخفض بنسبة بسيطة بعد الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت العالم ومازالت حتى الآن مؤثرة في كل القطاعات.
وأقول ذلك بعد ان سمعت من أحد السياح من البرازيل بعد نقاش طويل معهم ـ أسرة برازيلية مكونة من زوج وزوجة وطفلين ـ قالوا لي: الرومانسية، والحقيقة والجمال والعراقة والخصوصية، جميعها بنية تحتية لتلك المدينة رائعة الجمال، نقية القلب، فإذا توارى الجمال للحظات من الزمن، فإنه باقٍ ولا مسحة منه تردد بأن هنا جمال كان يوماً.. فينيسيا ستظل مدينة الجندول، والحلم الذي داعب الخيال والقلب النابض بأجمل كلمات الترحيب.
جمال دائم
«لاسيرينسيما» كلمة إيطالية معناها «الجليلة» أو المقربة إلى القلوب بكل الحب، هكذا يطلق على فينيسيا من قبل أهلها وأيضاً من قبل القادمين إليها.. فهي مدينة تختزل في منظومة الجمال، وتنحصر معانيها في رومانسية الوجدان هي بالفعل المدينة التي خرجت من عباءة الأساطير «الفيري تيلز» والتي تطل من لوحات سلفادور دالي، وتنحت طريقاً في قلب زوارها.
وهي كما وصفها واحد من القائمين على صناعة وفن السياحة في المدينة «سير أوجاستو سلفادوري»، بأن جمالها باق كالسيدة «الجليلة» كلما أوغلت في العمر ترسخ الجمال، فالجمال ليس كلمة أو صفة، وإنما هو منهج حياة، فينيسيا منهجها الجمال، معه وبه تقوم محنتها.
منى مدكور


