حمزاتوف أحد أهم شعراء القرن العشرين، كان يحب وطنه ـ داغستان ـ فكتب فيه أجمل القصائد في وقت كانت الأممية السوفييتية لا تسمح بظهور التطلعات الوطنية على حساب النظام الأممي. في منتصف الثمانينات زار حمزاتوف الإمارات، بدعوة من اتحاد الكتاب، وكان لي شرف مرافقته والتنقل معه، ولم يكن يرغب في تسجيل حوار صحافي رغم محاولات العديد من الزملاء.

ذات يوم كنا في الطريق الصاعد إلى خورفكان، كنا ثلاثة، أنا والمترجم، وحمزاتوف، كانت الصحراء مغسولة بمطر يوم سابق، وتلتحم بالأفق مع العشب الأخضر، ثمة جمال ترعى على جانبي الطريق الصاعد إلى المنطقة الشرقية.

كان الشاعر الكبير يتأمل الطبيعة التي فوجئ بجمالها، ويتمتم بأغنية لم أفهم كلماتها، وأدركت أن الوقت هو الأنسب للحصول على حوار منه، بينما فشل الصحافيون المحترفون، وكنت أحمل معي مسجل صوت، سرعان ما فتحته وبدأت أحاوره في إطار حديثنا المشترك الذي أعتدنا عليه يومياً.

سألته عن داغستان، والأدب الشعبي المكتوب بلغه (الأوار سكي) وعلاقته بالأدب الشعبي العربي، وأستغرب من معرفتي بتلك الحكايات الشعبية المتداولة في أدبنا وأدب الشعوب الأخرى. ثم انتقلنا للحديث عن الأدب الروسي الحديث، وتعدد الاتجاهات في الأدب السوفييتي الذي كان يشمل كل آداب الشعوب المرتبطة بهذا النظام واكتشفت أنه قرأ من تراثنا العديد من الحكايات مثل ألف ليلة وليلة والظاهر بيبرس، وقيس وليلى.. ثم تحدث عن أبيه وعشقه للأدب العربي واكتشفت أنه شاعر أبن شاعر.. فوالده من شعراء داغستان المشهورين أيضاً.

ومن خلال الحوار الذي استمر طيلة اليوم شكا حمزاتوف ضعف الترجمات للأدب العربي بشكل عام والأدب الإماراتي بشكل خاص، رغم محاولاته للبحث عن ترجمات تكشف له طبيعة هذا الأدب الذي أكد على احترامه له وإعجابه به، كما كان مغتاظاً من الترجمات الرديئة لشعره خاصة إلى العربية.

حينما خرجنا من الذيد.. وبدأت سيارتي تتسلق جبال المنطقة الشرقية، تفاعل مع الجبل، وبرز الفلاح الجبلي وبدأ يرتل قصائده التي يتغنى بها بجبال بلاده.. وقد ترجمت تلك القصائد جميعها واحتفظت بها. كان يوماً تاريخياً بالنسبة لي، سجلت حواراً متميزاً لواحد من أهم شعراء القرن، وحديثاً صحافياً بـ 11 صفحة مركونة على الآلة الكاتبة وبقصيدة جميلة عن خورفكان في الربيع التي لم تتح لي الفرصة بأن أخذها منه إلا أنني كنت شاهداً على كتابته القصيدة حيث انزوى وحيداً لفترة الزمن.

مازلت أحتفظ بهذا الحديث الذي نشرت جزءاً يسيراً منه في حينه. حمزاتوف رحل إلى الحياة الأبدية منذ سنوات، وما زال لدى الكثير عنه من خلال عشرة أيام كنت مرافقاً له. وحكايات طريفة لكنها ذات دلالات عميقة تبرز الفوارق ما بين نظام السوفييت المنحل والتقاليد والحياة التي نعيشها.

abdulelah_q@hotmail.com