وضع الراحل صدقي إسماعيل (1924 ـ 1972) أحد الرواد القلائل الذين أرادوا أن يشرعوا النوافذ الرحبة على الفكر العالمي بمختلف تياراته، بين أيدي القراء من مختلف الأعمار ثروة من العمل التوثيقي البارز بعنوان «نبلاء الإنسانية» الذي أصدرته دار الرياض الريس منتصف العام الماضي، ولا يجد المرء مناصاً من العودة إليه كل حين، فهو كتاب مرجعي جمع بين دفتيه ألمع أدباء العالم وألقى الضوء على أبرز أعمالهم بشكل مبسط ومكثف.

وفي زمن لم تكن فيه حركة الترجمة كما هي اليوم ولم تكن وسائل الاتصال عبر قارات العالم سهلة ومتاحة وميسرة رصد صدقي إسماعيل تاريخ عدة قرون من 1633 إلى 1998، محولاً الكتاب إلى مرجع ورقي مهم وضروري لكل أسرة عربية تريد أن تحرّض فتيانها وفتياتها على الاطلاع والمعرفة دون حشو أو إرهاق، بل مع الكثير من المتعة والسلاسة الأدبية.

هذا الكتاب نشر قسم منه في الدوريات الصحافية والأدبية منذ خمسينات القرن الماضي وبعضه وجد الطريق إلى الناس عبر أثير الإذاعة والتلفزيون. لذلك قامت الدكتورة عواطف الحفار إسماعيل بإعادة طباعة هذه المخطوطة وغيرها الكثير من الأوراق المنسية لصدقي إسماعيل. لتكون مرجعاً لطلاب العلم والمهتمين لأن إسماعيل يضفي رؤاه النقدية ومنهجه الحداثي الحر في تقديم هؤلاء النبلاء إلى القراء.

من أهم الأسماء التي تركت صدى في العالم وضع صدقي إسماعيل في قائمته الطويلة أندريه جيد وتوماس مان وبابلو نيرودا وهنريك بول وميغيل آنخيل أستورياس وهرمان هيسه وغوستاف فلوبير وجورج صاند إلى جانب عظماء آخرين في السينما والفلسفة والموسيقى أمثال المخرج الإيطالي لوتشينو فيسكونتي، وقائمة تمتد على 360 صفحة من القطع المتوسط لتشمل أرنست همنغواي وجان بول سارتر ونيتشه وآرثر شهوبنهور، وغيرهم من أدباء وشعراء وفلاسفة وفنانين عالميين، تركت أعمالهم أثراً كبيراً في الأوساط الثقافية العالمية.

لم يكن صدقي إسماعيل نموذجاً للمفكر والأديب العربي، الذي يتميز بسعة اطلاعه ورحابة فكره فحسب، بل كان روائياً وشاعراً وباحثاً. لقد أشاع الفكر الأصيل نضالياً وفكرياً في نهاية الأربعينات، وفتح نافذة واسعة على الفكر العالمي بمختلف تياراته. ويعتبر من أبرز المثقفين العرب الثوريين الذين قدموا من خلال كتاباتهم، ومن خلال الممارسة النضالية، إسهامات جدية في محاولة بلورة نظرية للثورة العربية المعاصرة.

ولا ننسى الجريدة الفكاهية (جريدة الكلب) التي كان يكتبها بخط يده، على نسخة واحدة بنقد لاذع سياسي واجتماعي وأدبي، وتوزع بين الأصدقاء، ولا أحد يعرف أين تستقر. وقد جمع منها ما أمكن، وصدرت في مجلد خاص. وها هي موسوعته عن نبلاء الإنسانية بين أيدينا، ما أحوجنا إليها اليوم في عصر المعلومات السريعة «غير الدقيقة» التي تتوفر لنا عبر الانترنت.

hussain@albayan.ae