رولان بارت شديد التعلق بأمه، وكان قد كتب بعد وفاتها الكثير من التعليقات والذكريات عنها... وهذه يتم نشرها اليوم في كتاب للمرّة الأولى تحت عنوان «يوميات الحداد»..
لقد كانت والدة رولان بارت كل شيء بالنسبة له، ذلك أن والده كان قد توفّى عندما لم يكن يبلغ هو من العمر سوى سنة واحدة وهي التي قامت بتربية وتعليمه بعد ذلك. ولم يكن رولان بارت قد عاش سوى معها لمدة تزيد عن 60 عاما كاملة. هكذا كانت وفاتها بتاريخ 25 أكتوبر-تشرين الأول عام 1977 مأساة حقيقية، بل وأكثر من هذا كانت صدمة مؤلمة لم تفارقه أصداؤها طيلة حياته.ونقرأ مما يكتبه: «في المكان الذي كانت تحتله في الغرفة حيث كانت تعاني من المرض وحيث فارقت الحياة وحيث أسكن الآن، والجدار الذي كان يستند عليه سريرها أضع أيقونة باستمرار من أجل ذكراها فقط ولم أزل أضع الأزهار باستمرار على إحدى طاولات المنزل. ووصل الأمر إلى أنني فقدت أية رغبة في السفر كي أكون قريبا من هذا المكان وكي لا تذبل الزهور أبدا».
هكذا ما بين 26 أكتوبر-تشرين الأول 1977، أي غداة وفاة هنرييت بارت وهي في الرابعة والثمانين من العمر، وحتى 15 سبتمبر-ايلول 1979 كتب رولان بارت «يوميات حداده» على والدته موزعة على 330 بطاقة تحمل أغلبيتها تاريخ كتابتها. هذه البطاقات حملت في واقع الأمر أصداء وقع كارثة وفاة الأم على ابنها، عالم اللسانيات صاحب الشهرة الدولية.
وفي الوقت الذي كان يتهيأ فيه كي يصدر عمله الذي يحمل عنوان «الغرفة المضيئة»، وذلك اعتمادا على صور أمه التي رحلت، كتب على إحدى البطاقات بتاريخ 29 مارس-آذار ما يلي: «أعيش دون أن أولي أي اهتمام بما سأتركه للخلف بعدي، وبدون أية رغبة أن تتم قراءة أعمالي لاحقا، ودون أي تفكير بأن أصبح صرحا تاريخيا». ثم يضيف: «لكنني لا أستطيع أن أتحمّل نفس المصير بالنسبة لأمي».
لقد أصبحت ذكرى أمه الراحلة و«استمرار» وجودها هدف حياته. ومن أجلها أصبح يحرص على حياته هو نفسه، ذلك أن «بقاءها»، وذكرى الراحلة، وطيبتها وكرمها، و«عينيها الزرقاوين كما في لوحات سيزان»، أمور كلها مرتبطة بما سوف يكتبه هو عنها.
بهذا المعنى يمكن ل«يوميات الحداد» هذه أن تكون بمثابة الوفاء ب«واجب الذاكرة». وبكل الحالات إنها وسيلة كي يعبر عن «فرادة» و«لا نهائية» الحزن الذي يعيشه. كما أنها مناسبة كي يكتب بسرعة ولكن بالكثير من التركيز والعمق عن مشاعر إنسانية تتعلق ب«الرحيل» و«المغادرة» و«فقدان من نحب» و«حاجة اللجوء إلى الآخر»، الخ.
إن رولان بارت يتحدث في هذه اليوميات عن الحداد على أمه وكأن الأمر يتعلق ب«مرض» حقيقي يعاني منه ولا فكاك منه. وهذا ما تتبدّى أعراضه في فقدان الرغبات و«جفاف الدموع». ويشير صاحب هذه اليوميات في إحداها إلى اعتقادها أن لا مثيل مما يعاني منه من قلق سوى لدى مارسيل بروست، صاحب رائعة «بحثا عن الزمن الضائع».
إن درجة الحزن التي أبداها رولان بارت بعد وفاة أمه مباشرة لم تتضاءل أبدا عندما توقف عن كتابة «يوميات الحداد» بعد عامين تقريبا «نفس الدموع» و«نفس اليأس». الزمن الذي يُنسي الأحزان، كما يقرّ الجميع، لم يكن فاعلا في حالة رولان بارت، ومن الصفات الأساسية التي يؤكد عليها بارت في «يوميات الحداد» عن والدته أنها كانت تمتلك «شفافية» استثنائية ساعدته على الكتابة. هكذا عندما «فقدت» تلك الشفافية عن المرض «توقف» هو عن الكتابة.
ولعلّ أكثر ما يعطي فكرة عن علاقة رولات بارت بوالدته تقديم نماذج مما كتبه فيه. نقرأ على بطاقة مكتوبة يوم 31 أكتوبر-تشرين الأول 1977: «الخميس، الساعة الثانية عشرة. أعود للمرّة الأولى إلى المنزل وحيدا. كيف سيمكنني العيش هنا وحدي. خاصة أن ما هو واضح بالنسبة لي أن لا مكان بديل».
وفي المحصلة، تبرز من «يوميات الحداد» هذه صورة الكاتب الكبير رولان بارت وكأنه طفل فقد أية بوصلة للعيش مع فقدان أمه. وهذا ما تعبّر عنه جملة كتبها في إحدى اليوميات بامتياز، وجاء فيها: «إنني باستمرار، ودون أي انقطاع، في غاية التعاسة منذ وفاة
الكتاب : يوميات الحداد
تأليف: رولان بارت
الناشر: سويل- باريس- 2009
الصفحات: 276 صفحة
القطع: المتوسط
Journal de deuil
Roland Barthes
Seuil - Paris - 2009
p. 276

