تبدأ كلارا روجاس قصتها من البداية. وهي تعود إلى ذلك اليوم 22 فبراير 2002 عندما وصلت متأخرة إلى مقر إدارة الحملة الرئاسية الانتخابية لانغريد بيتانكور حيث كان يتواجد حوالي 15 شخصا. كان النقاش متوترا حول الرحلة «الانتخابية» التي ستقوم فيها المرشحة إلى إحدى مناطق كولومبيا التي يتواجد فيها بقوة عناصر القوى المسلحة الثورية الكولومبية «فارك».
تمّ الاتفاق على الذهاب ـ رغم الخطر. وأصبح السؤال من سيرافق المرشحة التي توجهت إلى كلارا المؤلفة وقالت لها: «هل تأتين معي»؟ وكانت الإجابة: «بالتأكيد، في أية ساعة سنتحرك»؟ نقرأ: «ذلك العمل المثالي، كي لا أقول تلك الحماقة الصارخة، لم أتوقف عن الأسف للقيام فيه طيلة وجودي في الأسر. لا شك أنني كنت في المكان الخطأ وفي اللحظة الخطأ». وكانت عملية الخطف.
وتتحدث كلارا روجاس عن تلك الأشجار الباسقة والكتيمة كأنها «غابة من البنايات» التي تسمح بالكاد بمرور بعض أشعة الشمس والضوء. وفي مثل تلك المناطق تعوّد المتمردون أن يقيموا معسكراتهم كي لا يتم رصدهم عبر الطائرات من الجو. لكن غياب أشعة الشمس يؤدي إلى شحوب الجلد ويؤثر سلبيا على النظر بعد فترة. «كان كل يوم يمضي هو بمثابة عملية اختناق بطيئة». وكانت الأيام الأكثر صعوبة هي تلك التي كان يرغمون الرهائن فيها إلى السير ليلا وسط الغابة وحيث كانت الحرارة تنخفض فجأة عند ساعات الفجر الأولى.
ونقرأ عن وصف حياة كلارا في تلك الغابات: «طيلة ست سنوات عشت في تلك الغابة الكثيفة والرطبة. لقد كانت مملكة الوحل، ولكن أيضا مملكة الحيوانات من الضواري وغيرها وحيث لم نكن نسمع في بعض الأحيان سوى ضجيجها الصاخب، وآلاف الطيور والحشرات من كل صنف وكل لون وكل حجم وكل لون. عناكب صغيرة أو عقارب ضخمة صهباء أو سوداء وأحيانا حمراء، ونمل أحمر كبير يبدو أنه قادر على التهام إنسان وذباب ونحل وغير ذلك من صنوف. لقد كان ينبغي الحذر في كل لحظة كي لا يصبح المرء فريسة لتلك الحيوانات».
وتحكي كلارا روجاس عن «محاولات الهرب» التي لجأت إليها. وأشارت أنه بعد المحاولة الثانية فقد الخاطفون كل رحمة وشفقة. ولم يترددوا في أن يربطوا كل أسير بسلسلة في قدمه وجذع شجرة كبير في الطرف الآخر وحيث كان يصعب على الرهائن القيام بأية حركة مهما كانت بسيطة. ولم يكن يتم رفع تلك القيود إلى عند الإلحاح في طلب ذلك لقضاء حاجة إنسانية.
وما تؤكده كلارا هو أن تجربة العيش مع القيود كانت لها آثارها العميقة على مجمل حياتهم وتصرفاتهم خلال سنوات الأسر. «لقد تغيرت الأمور بيننا»، حسب قولها، ومع تتالي الأيام أصبح الصمت يسود أكثر فأكثر. لقد قلّ الكلام وقلّ السلام وتبادل التحيات».
مثل هذا التوصيف كان الخلفية التي حكمت علاقة كلارا بأنغريد. أتصوّر أن كل واحدة منّا كانت تلقي على الأخرى مسؤولية أشكال الفشل المتكررة، لكننا لم نناقش أبدا ما حصل ولم نحاول أبدا أن نصوغ خططا جديدة. كل الألم الذي لم نستطع هضمه أقام بيننننا جدارا من الصمت، ووصلنا إلى ما يصل إليه عادة كل ثنائي يفقد التواصل، إذ يصبح طرفاه عندئذ غرباء كل منهما عن الآخر. لم تكن هناك أية واقعة محددة أدت إلى القطيعة في صداقتنا ولكن بالأحرى جرى تباعد تدريجي ومتبادل مرتبط بالظروف التي عشناها».
ولا تتردد كلارا روجاس في القول أن رفيقتها في الأسر قد فقدت تلك المقاومة التي كانت تُبديها قبل التجربة العلمية. لقد فقدتها إلى درجة أنها فقدت الرغبة في الحياة. «هذه التي كانت تمثل نموذجا للشجاعة بالنسبة لي أصحبت تمثل رمزا للموت». هكذا أصبح «التعايش» بينهما مستحيلا، قرر قائد المعسكر الفصل بينهما ووضع كل منهما في مجموعة أخرى بل وتؤكد كلارا جوناس أن رفيقتها و«رئيستها» السابقة رفضت حضورها دروس اللغة الفرنسية التي كانت تعطيها بين وقت وأخر للرهائن الآخرين. وتصل المؤلفة إلى القول: «أعترف أنني تعلمت كثيرا، خلال تلك الفترة، حول العلاقات الإنسانية».
الكتاب: سجينة
تأليف: كلارا روجاس
الناشر: بلون ـ باريس ـ 2009
الصفحات: 245 صفحة
القطع: المتوسط
Captive
Clara Rojas
Plon ـ Paris ـ 2009
p. 245
