يحاول كتاب «المدن متعددة الثقافات في أوروبا الوسطى» لمؤلفيه الأستاذين في جامعة السوربون دلفين بيشتل وكزافييه غالميش، رصد العواصم الأوروبية أو المدن الواقعة على «تخوم» الاتحاد الأوروبي.

وأول ما يلفت الانتباه في المدن التي تمّ اختيارها للدراسة تخضع أولا للتعريف الجغرافي المعمول به عادة لأوروبا الوسطى، الأمر الذي يدعو للتساؤل عن سبب وجود مدينة «اوديسة» إذن في عداد المدن المدروسة. بكل الحالات تمثل التعددية الثقافية التي تتسم فيها هذه المدن نتيجة للمسارات التاريخية التي حكمت تكوّن دولها الوطنية أو قيام كتل إقليمية جرى فرضها عبر أنظمة شمولية كالنازية والشيوعية.

ويميّز المشرفان على هذا الكتاب الذي يساهم فيه 17 باحثا منذ البداية بين «الانتماء إلى أصل ثقافي متعدد لجسد اجتماعي تمثّل نهائيا عدة ثقافات» وبين «التعددية الثقافية التي تشكّل مشروعا للمجتمع تتعايش بداخله عدة ثقافات » وبحيث تحافظ كل مجموعة تمثل إحداها على «حقوق جماعية». واعتمادا على مثل هذا التمييز يشير الكاتبان على أن «مدينة فيينا كان يسكنها في عام 1900 نسبة 63 بالمائة من الأجانب (...) ولم تكن هناك سوى نسبة 39 بالمائة من سكان مدينة بودابست ـ عاصمة المجر ـ ذات التنوع الاثني الكبير. وعلى سبيل المقارنة لم تكن نسبة الأجانب في باريس حوالي عام 1900 سوى 6 بالمائة من مجموع سكانها».

وفي مساهمة بالكتاب للمؤرخ النمساوي «موريتز سزاكي» عن فيينا كأحد المدن ـ العواصم الخمس المدروسة ـ يتم تقديم العاصمة النمساوية على أنها «عالم صغير» يعكس «العالم الشامل لأوروبا الوسطى كلها». وكان ستيفان زفايغ ،الكاتب الشهير، قد كتب ذات يوم في مذكراته عن فيينا، بأن عبقريتها تكمن في أنها «عرفت دائما كيف تؤمّن تناغم أشكال التناقض الاثني واللغوي». وفي الدراسة التي يقدمها كزافييه غالميش عن براغ، العاصمة التشيكية، يستخدم تعبير «التعددية الثقافية البنيوية والظرفية» حيث يركز على دراسة أشكال القطيعة التاريخية التي يتسم فيها تاريخ أوروبا الوسطى كلها.

وغداة نهاية الحرب العالمية الأولى برزت نزعة تغليب الصبغة التشيكية على المدينة وواجهتها «نزعة التعددية الثقافية الإيديولوجية» التي ثبتت أقدامها خلال سنوات العشرينات. ويكتب كزافييه غالميش عن التطور اللاحق: «بعد الحرب العالمية الثانية وطرد الألمان اعتبرت تشيكوسلوفاكيا نفسها بلدا سلافيا ذا بنية منسجمة».

أما اليوم فقد غدا «الانتماء الثقافي المتعدد التشيكي ـ الألماني ـ اليهودي» مجرّد مكان للذاكرة و«مكرّس إلى حد كبير للسياحة» بينما برزت توترات جديدة ذات نزعة ثقافية أحادية.

وترى كاترين هوديل، في دراستها، عن العاصمة الهنغارية ـ المجرية ـ بودابست، أن الزيادة السكانية الكبيرة التي عرفتها المدينة ما بين عام 1850 والحرب العالمية الأولى، تواكبت مع تأكيد الهوية الوطنية «المجرية»، نسبة إلى المجريين. نقرأ: «كانت اللغة الألمانية موجودة في كل مكان في مطلع القرن التاسع عشر لكنها تقهقرت وتلاشت لصالح اللغة الهنغارية ـ المجرية. واليهود الذين كانوا يشكّلون أحد المكونات الأساسية للبعد الثقافي الجرماني في هنغاريا جرى تمثّلهم بسرعة كبيرة». كذلك جرى تمثّل السلوفاكيين، بينما أن الكرواتيين «أبدوا مقاومة كبيرة».

وتعتبر كاترين هوديل أن «بودابست في عام 1900 لم تكن تُبدي نفس المشهد الكوني المتنوع ـ الكوسموبوليتي ـ الذي كانت تبديه فيينا»، لكنها كانت بالمقابل تمتلك خصوصية أن أكثر من نصف سكانها كانوا يتحدثون آنذاك لغتين. لكن نتيجة للسياسة الصارمة التي جرى تبنّيها لتأمين السيادة المطلقة للصفة المجرية بحيث أن الأقليات السلوفاكية والرومانية والصربية والكرواتية لم تكن تمتلك حق الاقتراع، مما دفعها للهجرة. وشكّل اليهود آنذاك نسبة 54 بالمائة من سكان بودابست مما دفع البعض إلى تسميتهم ب«عدو الداخل».

ويشير الباحث اوليفييه اغارد، أن برلين كان فيها 13 بالمائة من الطلبة هم أجانب عام 1909 مقابل 7,17 بالمائة في باريس، وكانت الفروع العلمية تجذب خاصة الطلبة الروس إلى برلين. بالمقابل كانت فيينا تستقبل حتى عام 1914، ونشوب الحرب العالمية الأولى، العدد الأكبر من الطلبة الأجانب. خصوصية هذه المساهمة تكمن في قولها أن إقامة الأجانب لفترة مؤقتة، لكن طويلة نسبيا، ينبغي أخذه في الاعتبار عند دراسة التفاعل الثقافي والتعددية الثقافية.

الكتاب: المدن متعددة الثقافات في أوروبا الوسطى

تأليف: دلفين بيشتل، كزافييه غالميش وآخرون

الناشر: بيلان ـ باريس ـ 2009

الصفحات: 295 صفحة

القطع: المتوسط

Les villes multiculturelles en Europe Centrale

Delphine Bechtel, Xavier Galmiche et

Belin ـ Paris ـ 2009

p. 295