يؤكد سيلوين باركر مؤلف كتاب «الانهيار الكبير» أنه إذا كان التاريخ لا يتكرر فإن دروسه «تتكرر» وينبغي الاستفادة منها. هذا ما يتم نقله عن مدير أحد البنوك الأميركية عندما قال: «لو أنني كنت قد عشت فترة الانحسار فلا شك أنني كنت سأكون في موقع أفضل من أجل فهم الأحداث الجارية». كما يتم التأكيد في نفس السياق أن نفس الأسباب تؤدي بالضرورة إلى نفس النتائج.

وعلى أساس نفس العلاقة بين السبب والنتيجة يكتب سيلوين باركر عن بلده الأصلي زلندة الجديدة في توصيف الآليات التي تعاظم فيها الانحسار الاقتصادي إثر الانهيار الكبير لعام 1929 ما يلي: «كانت أمة تعيش من تربية الغنم والأبقار. وكانت البلاد كلها تعرف ازدهارها من خلال المكاسب التي يتم جنيها من الميادين الكبرى للمراعي وللمزارع المنتجة لمشتقات الحليب. لكن مع تضاؤل التبادل التجاري تباطأ بيع اللحوم والصوف وبدأت السفن تغادر المرافئ بنصف حمولتها الاعتيادية سابقا. كذلك تناقصت كثيرا كمية السلع المنقولة عبر السكك الحديدية. وانهارت سريعا على الصعيد الوطني مبيعات التعاونيات الزراعية. وبدأت مقاهي المدن بتسريح عدد من العاملين فيها».

ويرى المؤلف أنه ليس هناك ما هو أكثر ضرورة اليوم من أجل مواجهة الأزمة المالية العالمية الضارية حاليا واستخلاص دروسها من أجل الاستفادة منها في توجيه الاقتصاد العالمي في المرحلة القادمة. وما يتم تأكيده هو أن العالم عاش فترة فوضى كبيرة إثر الانهيار الذي عرفه سوق البورصات في وول ستريت.

لكن ذلك كله لم يجعل البعض من المسؤولين الكبار يرتقون إلى مستوى المسؤولية. هكذا لم يتردد الملياردير الأميركي ووزير الخزانة والمالية الأميركي آنذاك، اندرو بلون، في أن يشرح الوضع للرئيس الأميركي «هوفر» بالقول ان الأزمة «سوف تنظّف النظام من الأوساخ العالقة فيه». ويضيف: «إن غلاء المعيشة سوف يتضاءل. فالبشر سوف يعملون بكدّ أكثر وسيميلون إلى أسلوب العيش الأخلاقي. أما القيم فسيتم تصويب مسارها، وكذلك الأمر بالنسبة للأشخاص الأقل كفاءة».

وفي هذا الكتاب يقوم المؤلف بنوع من إعادة كتابة تاريخ «الانهيار الكبير» الذي شهده النظام المالي العالمي عام 1929 والذي يرى البعض أن الحرب العالمية الثانية كانت أحد نتائجه البعيدة. ولا يتردد في القول ان ذلك الانهيار سبقته عدة مقومات تتشابه إلى حد كبير مما عرفه العالم في الأزمة المالية الراهنة. ففي الحالتين كانت «طريق الكارثة» زاخرة بسلوكيات «الصلف الهائل» للقائمين على البنوك والوسطاء الماليين.

ويتم في هذا السياق الكثير من التفاصيل الدقيقة عن سلوكية بعض رموز الاقتصاد الأميركي آنذاك مثل «والتر كرايزلر» صاحب شركة صناعة السيارات الشهيرة باسمه والذي كان يفتخر أن الأسهم التي اشتراها ب100 دولار للسهم عام 1923 أصبحت تباع بعد ست سنوات فقط ب1300 دولار للسهم الواحد دائما. وللاحتفال بنجاحه الكبير طلب «كرايزلر» بناء مسكن فخم له يتناسب مع اللوحات والمنحوتات الفنية التي سيحتويها في قلب حي «مانهاتن» الشهير بنيويورك.

اكتمل بناء المنزل في خريف عام 1929، بنفس الوقت الذي كان قد اكتمل فيه بناء «برج وول ستريت» المجاور. لكن بتاريخ 24 أكتوبر 1929 انهار سوق البورصات. ولسخرية القدر كان ذلك في اليوم التالي لرفع اللوحة التي تحمل اسم كرايزلر على مبناه الجديد.

إن باركر يؤكد أيضا في تحليلاته على خطورة ذلك الجمود الذي أبداه بعض المسؤولين عن تسيير النظام المالي العالمي خلال السنوات التي سبقت الانهيار الكبير لعام 1929. المثال الأبرز الذي يقدمه على هؤلاء هو »فيليب سنودن» الذي يصفه ب«الوزير الحديدي» والذي كان مسكونا بفكرة توازن الميزانية إلى درجة أنه ترك الاقتصاد يغوص أكثر فأكثر في مساره التقهقري مفضّلا ذلك على عدم التخلّي عن أفكاره «الجامدة».

وإذا لم تكن هذه النتائج التي يتم الوصول إليها «جديدة ومتفرّدة» في محتواها، إلا أن المؤلف يقوم بتقريبها إلى الذهن انطلاقا من أحداث صغيرة وقصص معاشة بعيدا عن النظريات والمرجعيات التي لا يحتوي الكتاب كله سوى على 27 منها.

ولعلّ أهم ميزات هذا الكتاب أنه يقود القارئ إلى «كواليس» و«مناطق» كان أولئك الذين كتبوا عن أزمة 1929 الكبرى قد أهملوها.

الكتاب : الانهيار الكبير 1929

تأليف: سيلوين باركر

الناشر: بياتكوس بوك ـ لندن ـ 2008

الصفحات: 320 صفحة

القطع: المتوسط

The great crash 1929

Selwin Parker

Piatkus Books - London - 2008

.p 320