ترصد هذه الرواية القوية والمعتمة من إبداع الروائي التشيكي إيفان كليما حياة بافل فوكوفا المخرج السينمائي الذي يعمل في التلفزيون الذي تسيطر عليه الحكومة في حوالي عام 1989. وكان قد حاول الهرب من البلاد قبل 21 عاماً مع زميله بيتر، ومن ذلك الحين ضحى بأحلامه واحداً إثر الآخر على مذبح النفعية. وهو يغرق في تخيل سيناريوهات أفلام لن يقدر لها أن ترى النور أبداً، ويحلم بأليس، حب عمره المفقود.

وسرعان ما نكتشف، في غمار استشرافنا الكلي لحياة بافل، أن كل جانب من جوانب حياته تتخلله الوضاعة الاخلاقية، وربما كان الشاهد الحي على ذلك أنه تربطه صلة صميمة دامت طويلاً بامرأة يقطن زوجها على مرمى حجر منه.وحتى الأحداث الهائلة التي انتزعت الرئيس من مكانه لا تؤدي إلى شعور بافل بالارتياح، لأنه يدرك أن من سيتسلمون أعنة السلطة لن يغتفروا له تعاونه مع النظام السابق، تماماً كما أنه لن يغتفر لنفسه ذلك أيضاً.ويكمن وراء قصة بافل الحزينة زميله بيتر، الذي يبادر بعد فشل محاولتهما الهرب إلى التخلي عن احتمال اشتغاله بالعمل في ميدان السينما، لكنه على الرغم من ذلك يفوز بأليس التي طالما حلم بافل بأن تكون له وحده.

وعلى الرغم من أن جانباً ليس باليسير من الحبكة يتسم بأنه دائري بما لا ضرورة له، إلا أن نثر كليما الرائع يسلب لب القارئ، ويدفعه دفعاً إلى مواصلة القراءة بمزيد من الشغف والفضول.

ومن المؤكد أن كليما يعكس في هذه الرواية قلب الثورة المخملية المعتم، وعلى سبيل المثال فإن مجموعة المشاهد التي تدور أحداثها في مصنع المتفجرات تبدو بالغة الكآبة، إلى حد يمكن أن نتصور معه أن جوزيف كونراد كان يمكن أن يكتبها، لكن ذلك لن يمنعنا من مواصلة القراءة حتى الصفحة الأخيرة من الرواية.

ومن المحقق أن تأمل الورطة التي يجد بافل نفسه فيها لا يمكن إلا أن تفجر دفقاً لا ينتهي من الأفكار والتساؤلات، فهو قد شق طريقه إلى السجن في صدر شبابه مع اخفاق محاولته للهرب من تشيكوسلوفاكيا مع صديقه بيتر، وهو بعد ذلك يحاول مسايرة الأمور من خلال العمل للتلفزيون الذي تسيطر عليه الحكومة، وعندما تندلع الثورة المخملية يجد نفسه وقد بدا في اهاب الرجل الرجعي بل والعميل من منظور شباب الثورة وكذلك من منظور صديقه القديم بيتر.

في البداية لاتبدو الحرية شيئاً جيداً كما كانت عندما كان الخيال يحلق إلى رحابها، فانتقالات السلطة عبثية، والناس يتدافعون لجني المغانم الاقتصادية، ويهيمن على الجميع الشعور بغياب اليقين المفعم بالحيرة بل وبالفوضى.

ويعترف بافل في لحظة صدق نادرة بالقول: «إنني أحاول على الدوام أن أرضي من يتخذون القرارات».

هكذا يمضي كليما في نثر محكم ليفحص أغوار اليأس الذي يهيمن على الناس الذين يحاولون رضاء الآخرين طويلاً بحيث أنهم في نهاية المطاف لا يعرفون كيف يجدون لأنفسهم مكاناً في الدنيا.

ومن المؤكد أن القارئ سيتوقف عند تعدد الأبعاد في هذه الرواية، فعلى السطح نحن إزاء تركز العمل على بافل فوكوفا وصلته بصديقه القديم بيتر وأليس التي يهواها الصديقان.

غير أن الرواية في بعد آخر تمضي بنا عبر مخاوف بافل المتعلقة بحياته ومستقبله والنضال الذي دام طويلاً والذي يندفع مسرعاً نحو خط النهاية.

ونلاحظ أن محطة التلفزيون التي يعمل بها بافل هي في حقيقة أمرها مؤسسة يمقتها معظم أبناء تشيكوسلوفاكيا، وينظرون إليها باعتبارها آلة من آلات القمع التي يستخدمها النظام الدكتاتوري، فهي لا تبث إلا اخباراً مضجرة ودعاية فجة للنظام. وقد التحق بافل بالعمل بها بعد إطلاق سراحه هو وصديقه بافل بعد فترة السجن التي أعقبت محاولتها الهرب من البلاد مع سحق ربيع براغ على يد الدبابات السوفييتية.

وبافل يدرك أن قبوله بالعمل في هذه المحطة قد ينظر إليه على أنه يعني قبوله بنظام دكتاتوري وحشي، ولكنه يمضي قدماً في عمله بها، مفسراً ذلك لنفسه بأنه سيسمح له بكتابة سيناريوهات أفلام يمكن إنتاجها لدى سقوط النظام. وتنسخ في الرواية مشاهد من سيناريوهاته كلها ذات طابع متعلق بالسيرة الذاتية.

على النقيض من ذلك تماماً، فإن بيتر لدى إطلاق سراحه يقرر الانسحاب، من المجتمع كلية، وينتهي به الأمر إلى العمل قيماً على قلعة عتيقة نائبة، بعيداً عن العواصف السياسية التي تجتاح براغ.

هكذا فإن جوهر الرواية يتركز، بمعنى من المعاني، على التأثير الذي تتركه هذه الخيارات على حياة بافل ظاهرياً وباطنياً.

وعلى الرغم من روعة النثر الذي وظفه بافل في إنجاز الرواية، إلا أننا لا يمكن إلا أن نلحظ تعدد أوجه القصور والعيوب فيها.

إلى جوار العيوب التي أشرنا إليها في حبكة الرواية، فالقارئ لا يمكن إلا أن يشعر بالحيرة والاضطراب حيال قفز كليما من القصة التي يرويها لنا إلى سيناريو بافل، الأمر الذي قد يرغمه على أن يعيده قراءة بعض المقاطع أكثر من مرة.

وبهذا المعنى فإن قراءة هذه الرواية ليست بالعمل السهل على الإطلاق، وإنما هي تقتضي جهداً مضاعفاً.

وعلى الرغم من ذلك، فإن الرواية لا يمكن إلا أن تعيد إلى الذاكرة كلمات نادجدا ماندلستام، أرملة الشاعر الروسيب أو سيب ماندلستام، حيث تقول: «الشخص الذي يحظى بحرية داخلية، ذاكرة، وخوف هو تلك القصبة، ذلك الغصين الذي يغير اتجاه النهر المندفع». وما فعله كليما في هذه الرواية هو معالجة الناس الذين توصلوا إلى حلول وسط مع نظام قمعي لكي يحافظوا على حريتهم الداخلية، وهذا هو على وجه الدقة ما يجسده بافل، لكنهم يجدون أن هذه الحلول الوسط قادتهم. إلى الاتجاه المضاد على وجه الدقة.

من هذا المنظور فإن بافل يعمل، على مستوى واع، أنه ليس بالقصبة ولا الغصين الذي يساهم في نهر الحرية المندفع. وهذا الإدراك يفضي به، في واقع الأمر، إلى اليأس وإلى حياة ليست جديرة بأن تعاش بأي معنى من المعاني. وهذا الوعي من جانب بافل بالخواء الداخلي هو الذي يمنح الرواية معناها ويجسد طابعها الموجع والحزين.

ويظل أبرز ما في هذه الرواية هو المستوى العالي من الطموح الذي تحلق إليه، حيث تتابع بافل خلال عمله من قلب الآليات الداخلية لنظام دكتاتوري قمعي، ترأسه طغمة مشوهة نفسياً وقاصرة ذهنياً، وهو يتعرض للانتقاد من جانب أبناء جيله لاستسلامه للنظام، وفي الوقت نفسه يعذبه توقه القديم وهو في منتصف العمر إلى إنجاب طفل من حبيبته المفقودة أليس، ويثقل عليه الجهد الذي يبذله في رعاية أمه الموغلة في العمر، ويواصل الحلم بالفيلم الوثائقي الذي سيروي الحقيقة المتعلقة بتاريخه المظلم من دون أن يتعرض لمقص الرقابة، ولكنه بعد الثورة المخملية وسقوط النظام الشيوعي يجد نفسه في عالم يقطنه مواطنون على وعي تام بأي ضوابط تفرض على حريتهم الجديدة.

هكذا فإن الفيلم الوثائقي الذي طالما حلم به بافل يؤجل مراراً وتكراراً، وكذلك يؤجل أمله بالتحرر من الأفلام الدعائية وحلمه القديم بالتحقق في حياته العاطفية.

وتظل هذه الرواية عملاً مميزاً جديراً بالقراءة أبدعه كاتب مميز من المؤسف أنه ـ حتى الآن ـ لم يقرأ بالصورة المكثفة والمعمقة التي يستحقها في العالم العربي، حيث تظل أعماله، في مجملها، بعيدة عن الوصول إلى القارئ العربي بلغته الأم.