منذ الانفتاح على الغرب ثقافيا في أوائل القرن الميلادي الفائت، ويثار السؤال القديم الجديد: ما هي علاقة الدين وما موقف الإسلام من الفن والعلم والفلسفة، بل وشتى أشكال المعرفة؟
في كتابه المبسط طرح الشيخ الدكتور عبدالحليم محمود السؤال نفسه، ثم سعى للإجابة عليه، مع تحفظ أشار إليه في مفتتح الكتاب أنه لن يسعى للمجادلة وطرح مجمل الآراء حول تلك الفكرة أو غيرها. بل اتبع منهج تبسيط الفكرة وطرح ما يظنه الغالب من الآراء. وهو بذلك يسعى لتبليغ أفكاره للعامة من الناس، مع تبسيط الأفكار المركبة.
بداية طرح تعريفاته التي بنى على أساسها مجمل مناقشاته، وقال:
إن ما بنى على الوحي: هو دين، وهو شريعة.
وما كان مرده إلى الذوق والعاطفة والوجدان، فهو الفن.
والقواعد والقوانين ـالتي قامت على الملاحظة والتجربة والاستقراء- علم.
أما مجال ما وراء الطبيعة، ومجال الأخلاق بمعناها الشامل، هذا المعنى الذي يدخل في نطاقه التشريع ونظام المجتمع، فان ما بنى على ذلك كله على العقل والبحث، فهو: فلسفة.
الإسلام والشعر: يقول الله تعالى: «وما علمناه الشعر» «وما ينبغي له» (سورة يس:69)
وفى ذلك يقول الكاتب، هناك مستويات من الإنسانية، وهي في سموها ترتفع عن مستوى الشعر. لكن هذا لم يناقض ما ردده الرسول (صلى الله عليه وسلم) من بيت للشاعر «الوليد بن المغيرة» عندما أصيب إصبعه ودميت، فقال:
«ما أنت إلا إصبع دميت وفى سبيل الله ما لقيت»
وأحيانا ما كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يردد بيتا شهيرا من المعلقات، وقد غير من وزنه، قال:
«ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك من لم تزود بالأخبار»
فقال «أبوبكر»: «ليس هكذا يا رسول الله؟»
فقال عليه الصلاة والسلام: «أني والله ما أنا بشاعر، ولا ينبغي لي».
وقد تحدث المفسرون والمحدثون عن أمثال ما سبق. وأن الفاروق «عمر بن الخطاب» يرى أن من يتول ولاية، لا يجوز له أن يكون عابثا بالقول أو بالسلوك. وما سبق يعني أن الشعر لا يليق ببعض المستويات (غير الأنبياء).. هل معنى ذلك أنه يمكن القول إن الشعر حرام؟ أم مكروه؟ويجيب الكاتب بأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان يشجع «حسان بن ثابت» على قول الشعر.. وأنصت إلى كعب بن زهير وهو ينشد قصيدته المشهورة:
«بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
متيم أثرها لم يفد مكبول»
وفيها بعض الأبيات دفاعا عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومدحا له ولصحابته، حتى أن خلع عليه «بردته» وأعطاها ل«كعب بن زهير».
لعل خلاصة القول في هذه القضية، أن الشعر لا يليق بالأنبياء، والرسول عليه الصلاة والسلام، لكنه غير محرم، لأن المستويات الإنسانية درجات.
الإسلام والعلم: الصلة بين الدين والعلم، قضية أثارها الغربيون في كتابتهم، مثلما ما ردده المفكر الفرنسى «اميل بوترو»، حيث قال:
«إن العلاقات بين الدين والعلم، يثير أشد العجب، فانه على الرغم من تصالح الدين والعلم مرة بعد مرة... لم يبرح العلم والدين قائمين على قدم الكفاح، ولم ينقطع بينهما صراع يريد به كل منهما أن يدمر صاحبه...».
فكان رد الشيخ «مصطفى عبدالرازق»:
«... الأساس الذي يعتمد عليه الدين يختلف عن الأساس الذي يعتمد عليه العلم، فالدين يقدم مسائله على أنها عقائد يجب الإيمان بها... بينما يعرضها بصور تدل على اتصال الإنسان بنوع من الأشياء يعجز علمنا الطبيعي على إدراكه...».
بينما يرى د.عبدالحليم محمود، أن تلك المقولات تناسب البيئة الأوروبية، وليست البيئة الإسلامية. وسبب ذلك يرجع لتاريخ الكنيسة التى تابعت المنهج الأرسطي في الطبيعة وما وراء الطبيعة، ثم تأكد أن هناك اختلافا، فعدلت الكنيسة من موقفها، حتى حاربت العلماء.. مع بدايات النهضة وبدء تطبيق المنهج الاستقرائي (منهج التجربة والملاحظة).. واستمر العلماء على بحثهم، واستمرت الكنيسة في التنكيل بهم، حتى بدا أن هناك تعارضا بين الكنيسة (الدين) والعلم. إذن جذور القضية نشأت في بيئة غير بيئتنا الإسلامية.. لأن العلم من الوجهة الإسلامية لا ينفى ولا يثبت أمرا من أمور العقيدة من وجهة النظر الإسلامية، لأن لكل منهما دائرة يعمل بها من خلال قوانينه الخاصة.
الإسلام والحضارة الحديثة: يرى بعض العلماء، الأخذ بكل معطيات الحضارة الحديثة، فهي التي أتاحت الطائرات ووسائل الاتصال والطب المتقدم وغيرها، نأخذها بما لها وما عليها.
بينما يرى بعض الأفراد رفض كل معطيات الحضارة الحديثة، وإغلاق كل ما يتصل بها من نوافذ.. وان تبنى تلك الوجهة بعض الدول، ولكنها فشلت في هذا الإغلاق. فيما يشير أصحاب الرأي الثالث إلى أنه يجب علينا أن نأخذ الحضارة المادية، أما الحضارة النظرية، فنأخذ منها ما يناسبنا (لعله رأى الأغلبية).
ويرى د.عبدالحليم محمود أن الرأي الأول يرفضه لغلبة الآراء والأحوال في معطيات الحضارة الحديثة التي يرفضها الإيمان الحق. أما القول برفضها كلية فهو مرفوض ولم يتحقق على مستوى الأفراد أو الجماعات أو الدول. ويأتي الرأي الوسط وهو فاسد أيضاً لأنه يعتمد على الفكر.. على العقل.. على الإنسان، دون ملاحظة للدين. والقول بأخذ الصالح، يثير السؤال عمن يحدد الصالح، بل ما هو الصالح؟؟!
ولأن للحضارة جانبا ماديا، وليس علينا إلا متابعة الإسلام فيه، والسير في الحضارة المادية مثل أسلافنا الذين قدموا الكثير، ويمكننا أن نستعين ببعض مما في حضارة الغرب. لأنه في الكيمياء (مثلا) لا يوجد ما يسمى بالكيمياء الألماني أو الفرنسي وهكذا.
أما الجانب الآخر من الحضارة، الجانب الثقافي، يتابعه «د.عبدالحليم محمود» من خلال تاريخ الترجمة في الحضارة الإسلامية. فلم تلق الترجمات المختلفة للعلوم اعتراضا، بينما ترجمة «ما وراء الطبيعة» وكتب «الأخلاق»، فقد اعترض عليها البعض بل الكثير، حتى جاء الخليفة المأمون وترجمها، ولم تنل من عقيدة وفكر المسلمين.. لأنها ثابتة في (الدين) ولا تقبل التطوير، أو التعديل بناء على فكر غير اسلامى.
لعل موقف د.عبدالحليم محمود يبدو تحليليا لمجمل الآراء والقضايا التي يعرضها، مع إضافة جهده الخاص برأي جديد في بعضها الآخر.. ومع ذلك يعد الكتاب كاشفا لمجمل الآراء والأفكار (أو أغلبها) التي تعن في صدر ورأس جماعة المسلمين خلال العقود الأخيرة.
الكتاب: موقف الإسلام من الفن والعلم والفلسفة
الكاتب: د.عبدالحليم محمود
الناشر: الهيئة المصرية للكتاب ـ إعادة طبع-عام2009
الصفحات: 268 صفحة
السيد نجم
