لولا أن هذه الرواية «الولد التائه» تستند إلى الواقع لحق لقارئها أن يصف مؤلفها بأنه مخبول وهو يسرد أحداثا ترفضها ليس الفطرة الإنسانية فحسب، بل وحتى الفطرة الحيوانية، وسبق هذه الرواية وأعقبتها روايتان للمؤلف نفسه الأولى بعنوان «ولد اسمه هو» والثانية بعنوان «حكاية رجل اسمه دايف» وهما في سياق هذه الرواية ومكملة لحكايتها.
فمن غير الممكن أن تشعر أم بحبها لجميع ابنائها وتستثني واحدا منهم وهو يافع، تمقته بشدة وتعامله بقسوة دون إخوته الأربعة ودون أن يكون هناك مبرر منطقي لذلك، أو حدث يفجر كل هذا البغض والقسوة، لأنها لو كانت مريضة نفسيا فإن ذلك ينعكس على جميع أطفالها. فالأم في المملكتين الإنسانية والحيوانية هي منبع الحنان، حتى أن الصغار ومعهم الكبار أحيانا يصرخون بالفطرة بكلمة «ماما» أمام أي خطر مفاجئ يحيط بهم، وما ذلك إلا لكون الأم هي عنوان الرحمة والحنان والحماية.
«شتاء 1970، مدينة دالي، كاليفورنيا، أنا وحيد. أشعر بالجوع وأرتعش في الظلام. عمري تسع سنوات، وأعيش على هذا النحو منذ سنوات. يتكرر الشيء نفسه كل يوم. «هكذا تبدأ الرواية التي نؤكد أنها تستند إلى الواقع، للروائي الأميركي دايف بيلزر المولود سنة 1960 والذي يسرد هنا وقائع حياته اليومية مع أم لا تحبه وتعامله بقسوة وإذلال دون أخوته ودون أن يعرف سببا لذلك، ويضيف عن بداية يومه المتكرر:«إذا كنتُ محظوظا أتناول بقايا حبوب الفطور التي تركها إخوتي.
أركض إلى المدرسة، أسرق الطعام، أعود إلى المنزل وأُجبر على التقيؤ في المرحاض لأثبت أني لم أقترف جريمة سرقة الطعام!» أمه تضربه لأتفه الأسباب وتجبره أحيانا على أكل الطعام المخصص للكلاب، وتطلب منه تحت التهديد والحرمان من الطعام غسل أطباق الطعام خلال وقت قصير لا يتناسب مع كمية الأطباق، وتتركه ينام في الكراج دون بطانية أو غطاء يحميه من البرد فيتكور على نفسه أملا في احتباس حرارة جسمه، ومع كل ذلك فقد كانت أجمل لحظات الفتى هي النوم.
ويسمعها تصرخ في وجه أبيه ستيفان:«إذا كنتَ تظن أني أعامله بهذا السوء يستطيع إذاً العيش في مكان آخر!» الأب وبعد أن يحرك الشراب في كأسه ويجعل مكعبات الثلج تتلاطم يرد:«إهدأي الآن.. ما من ولد يستحق مثل هذه المعاملة. يا إلهي يا رويرفا، أنت تعاملين الكلاب أفضل من الولد». والفتى الذي كان فيما مضى ينظر إلى أبيه الإطفائي كبطل عظيم وهو ينقذ الأولاد أمثاله يدرك أنه اليوم أصبح رجلا مهزوما، لذلك يقول وهو يشعر أنه حشرة على وشك الانسحاق:«أعرف أني سأدفع ثمن غضبها، أدرك أنها مجرد مسألة وقت».
حينها تشده أمه من أذنه بقسوة ويضطر الفتى إلى الوقوف على أطراف أصابع قدميه، وبعد أن يتحول وجه أمه إلى الأحمر الداكن يسمعها تصرخ في وجهه:«أخرج من بيتي أنا لا أحبك! أنا لا أريدك! لم أحبك يوما! أخرج من منزلي بحق الجحيم!».
هكذا يجد الفتى نفسه خارج البيت أو قل خارج الكراج الذي كان يؤويه، فيخرج هائما لا يدري إلى أين؟! فلا أصدقاء ولا مكان للاختباء، ودون أن يعرف الإجابة عن سؤاله لماذا تعامله أمه هكذا؟ وتحت إلحاح الجوع يلجأ إلى بار على أمل الحصول على طعام، أي طعام. فيدرك صاحب البار «مارك» بخبرته وضع الفتى فيهديه قطعة من البيتزا بعد أن يتصل بالشرطة التي تقوم بدورها بالاتصال بأهله، فيأتي الأب وتحت غطاء كذبة مكشوفة للفتى يصطنعها الأب أمام الشرطة يستعيد ابنه.
ولكن الحقيقة باتت أكبر من إخفائها، فوضع الفتى في المدرسة بائس كما في البيت.
وانكشفت الحقيقة جلية أمام المحكمة، فما من أحد صادف مثل هذه الأم قبلا، وبدأت رحلة جديدة للفتى متنقلا بين منازل التربية والعوائل الرحومة والأطباء النفسانيين والمدارس المختلفة مع كل نقلة بما فيها من صداقات ومماحكات وسط خوف يلاحقه وهو صدى صوت أمه:«سأعيدك!» وما يتبع ذلك من كوابيس مزعجة وهي تريد إيذاءه حتى أنه بعد أن يستيقظ يتحسس جسده لأنه يخلط بين الحقيقة والحلم. ولكن كيفما يكن فإن دايف بيلزر بات تابعا للمحكمة، وبات يحصل على الغذاء والكساء، محاولا أن يحبه الآخرون .
وهو يتأرجح بين الخير والشر، ومجاهدا ألاّ ينهار عالمه الجديد، واعتاد على أنه كلما تكيف مع بيئة جديدة يحدث شيء ما فينتقل إلى بيئة ثانية، وخلال سنوات وكما تنقل من بيئة إلى أخرى، تنقل أيضا من مهنة إلى أخرى محاولا فهم العالم المحيط به ومحاولا فهم نفسه وقد أدرك أفضل من أي وقت مضى أن عليه أن يشق طريق مستقبله بيده ويحقق حلمه ببناء كوخ خشبي بمحاذاة النهر الروسي في غيرنيفيل.
بحث دايف عن أبيه ليجده متقاعدا، سكّيرا، مهزوما يرتاد الحانات، وحين حاول مساعدته رفض قائلا:«نفذ ما يجدر بك فعله، لا تنتهِ مثلي». وحين علمت الأم بتطوع ابنها في القوة الجوية الأميركية اتصلت به باكية وهي تزعم أنها كانت تفكر به طوال الوقت ولم ترد له يوما سوى الأفضل، ولكن دايف الذي كان يسمع من الطبيب النفساني ومن الآخرين كلمات لا يدرك معناها كاملا:«عليك أن تكره أمك.. أمك حيوان مجروح!.. لم نشاهد أبدا شخصا يحارب لحمه ودمه بهذه الطريقة». ما عاد يسأل لماذا عاملته أمه بتلك الطريقة، كان يبحث عن جواب لسؤال أهم وهو هل أحبته أمه يوما؟!..
كريم السماوي
