نشأ إيفان كليما وهو يعرف على وجه الدقة ما الذي تعنيه الحرية، فقد كانت نقيض طفولته، ففي عام 1941، عندما كان في العاشرة من عمره أرسل أبوه ضمن الشحنة الأولى التي بعث بها النازي إلى تيريزين الشهيرة بـ «القلعة الشبح» إلى الشمال من براغ، وهناك لحقت به عائلته، حيث بقي كليما هناك طوال مدة الحرب.
وخلال تلك السنوات تعلم دروساً لا تنسى في البقاء على قيد الحياة وفي الهرب أيضاً. وخلال السنوات التي أمضاها في القلعة لم يكن معه إلا كتاب واحد، هو «أوراق بكويك»، الذي قرأه مرات لا حصر لها، ونقل نفسه يومياً إلى عالم سام ويلر وناتانائيل ونيكل، فترسخت الحرية في ذهنه باعتبارها سرداً لرواية.
وقد بدأ الكتابة في تلك السنوات المبكرة، مدركاً أن أي صفحة يفرغ منها يمكن أن تكون الصفحة الأخيرة التي يكتبها، ووجد أن حيلة الهرب تحقق نجاحاً ملموساً في هذه الأجواء، فكتب مسرحيات وصنع الدمى لأداء هذه المسرحيات، ثم كتب القصص حول الفتيات اللواتي يتخيلهن وحول أحلام اليقظة المتعلقة بقصص حبه الأولى. ولم يفارقه قط الشعور بالتحرر الذي وجده في هذه الجمل التي صاغها. ويقول وهو يجلس في بيته المطل على غابة كثيفة في براغ: «لقد طاردت على الدوام هذه الحرية الداخلية، ولم أتعرض قط للرقابة الذاتية».
وتلح هذه التجارب المبكرة الآن على ذهن كليما، وهو يدنو من الثمانين من العمر، ويعكف على كتابة مذكراته بعنوان «قرني المجنون».
وهو يقول كمن يقرر أمراً واقعاً، إنه طوال 70% من وقته لم يعش الحرية، في كلمات تحجب سنوات من التضحية والنضال، فبعد سنوات النازي جاء الاحتلال السوفييتي لتشيكوسلوفاكيا والأمل قصير الأمد الذي واكب ربيع براغ في 1968 والذي كان كليما من الأصوات المنشقة البارزة خلاله، ثم جاءت السنوات الإحدى والعشرون الطويلة من الدكتاتورية والقمع قبل الثورة المخملية التي اندلعت في 1989 . وطوال هذا الوقت لم تغب فكرة الحرية أو الإيمان بها والاعتقاد بإمكانية العثور عليها في غمار كتابة الحقيقة عن ذهن كليما.
إذا كان 1989 هو أفضل الأوقات، فإن كليما يقول إن عام 1970 كان أسوأ الأوقات، فقد انطلقت الدبابات الروسية لتضع نهاية لربيع براغ في أغسطس 1968. وقد كان كليما في طريقه إلى الولايات المتحدة من أجل زمالة تدريس في ميتشغان، وهزته الأنباء، وواصل رحلته عبر لندن إلى الولايات المتحدة مع عائلته، وعندما انتهت فترة التدريس بعد عام وجد نفسه حيال قرار صعب يتعلق بالبقاء في المنفى على نحو ما فعل الكثير من المنشقين التشيك أو العودة إلى بلاده.
ويتذكر كليما: «قال الجميع: لا ترجع فسوف يرسلونك إلى سيبيريا!». ولكنه أحس بأنه لا معنى لبقائه في الخارج باعتباره كاتباً وافتقاده ليس بلغة وحدها، وإنما للناس الذين يفهمهم، وقد كان بمقدوره تفهم الأميركيين، لكن مشكلاتهم لم تكن مشكلاته، كما يقول.
هكذا عاد كليما إلى بلاده في مارس 1970، أي في ذروة عمليات التطهير التي كانت تحظى بتأييد السوفييت. ويتذكر كليما تلك المرحلة: «ان الجو شديد البرودة، وقد حظرت السلطات كل من شاركوا في ربيع براغ، وفقد 400 ألف شخص وظائفهم، بمن في ذلك كل الناس ذوي المهارات الرفيعة من مدرسين، محاضرين، كل العاملين في الإذاعة والتلفزيون والنقابات».
وأدرج كليما في القائمة السوداء للكتاب ومنع بالعمل إلا في الأعمال المتدنية، وصودر جواز سفره، وانتزع منه ترخيص القيادة وقطعت الحرارة عن هاتفه، وتم تهديده بالسجن إذا نشرت كتبه في الخارج، وصدر قانون يمكن الدولة من وضع يدها على عوائد الملكية الفكرية الخاصة بكتبه الموجودة في البنوك.
في معرض الرد بدأ كليما على الفور في تنظيم جلسات للقراءة في داره، دعا في أولاها 45 ضيفاً، وفي كل أسبوع كانت هناك قراءات لمواد كتبت حديثاً، وهو يتذكر أن هافل قرأ مسرحيتين جديدتين من أعماله وقرأ ميلان كونديرا بعض كتاباته الروائية، وعلى الرغم من أن السلطات دست في صفوف المترددين على هذه الجلسات من قام بتقديم قائمة شاملة بأسمائهم، وتم تصويرهم خلال حضورهم وانصرافهم، إلا أن كليما يقول إنهم تمكنوا من نسخ وتجليد وإصدار 300 عمل كبير خلال 18 عاماً، بما فيها الروايات والمسرحيات والدواوين التي كانت تنسخ وتجلد وتصدر في مجموعات تألفت من 14 نسخة ثم من 50 أو 60 نسخة، ثم تحول هذا كله إلى شبكة من الطباعة والنسخ والتجليد تقدم طبعات تضم كل منها ألوف النسخ.
ويتطرق كليما إلى روايته «انتظار الظلام، انتظار النور» التي تتناول أحداث 1989 في قصة حب لاهثة، حيث نجد أن البطل، بافل، الذي يعمل مخرجاً تلفزيونيا تتعرض حياته العملية للتدمير على يد الحزب الشيوعي التشيكي، ويلقى القبض عليه في غمار احداث ثورة نوفمبر المندلعة.
يقول كليما عن هذه الرواية: «كان الهواء لاذعاً ومثقلاً برائحة أجسام البشر وذلك المناخ النفسي الغربي الذي يبدو أنه يقرب الناس بعضهم من بعض. وقد أدهشني هذا الشعور بالتضامن، فلم أكن مستعداً له».
وفي غمار الجموع يلتقي بافل، في الرواية بامرأة كان يحبها يوماً، وهي تقبله بعفوية. وبعد بعض الوقت يحاول بافل تذكير المرأة بالصلة الوثيقة التي كانا يحسان بها في ليلة اندلاع الثورة.
وهي توضح له في ضوء النهار: «لقد كانت اللحظة هي التي فعلت ذلك، يابافل، اللحظة».
فيرد قائلاً: هل انتهت تلك اللحظة؟
ـ لحظة كتلك لا يمكن أن تدوم إلى الأبد.
ولكن كم استمرت نشوة تلك الليالي النوفمبرية من عام 1989 بالنسبة لكليما نفسه؟
إنه يبتسم قائلاً: كم طال استمتاعي بهذا الشعور؟ من المهم أن نلاحظ أن الإنسان يتقبل الحرية باعتبارها شيئاً عادياً، وذلك على الرغم من أننا كافحنا طويلاً من أجلها، وبعد أسابيع أو أشهر قلائل لم نعد نفكر فيها، وإنما تبدأ في رؤية الأمور التي تبدأ في تغييرها، الأمور التي تثير غضبك، كالفساد وما إلى ذلك والمشكلات البيئية، والاهتمام الاستحواذي بالسوق، الذي هو شكل آخر من غياب الحرية، وهكذا فإن ذلك الشعور لا يدوم طويلاً.. ولكن التغيرات، الديمقراطية، ذلك هو ما يبقى».
