يحكى أن الرحابنة ذهبوا إلى القاهرة على أيام الرئيس أنور السادات لتغني فيروز على أحد المسارح، وقبيل بدء الحفلة جاء من يخبرهم أن مكانها قد تم تبديله لأسباب أمنية تتعلق بالسيد الرئيس. فرفض عاصي الرحباني هذا التغيير المزاجي في الموعد، وقرر إلغاء الحفلة! ومما يرويه المرحوم نجاة قصاب حسن أن الأخوين عاصي ومنصور الرحباني كتبا قصيدة للإذاعة المصرية عنوانها «النهر العظيم»، تتحدث عن النيل وعن طاحونة على ضفافه تدور. اعترض الرقيب الإذاعي قائلاً: لا توجد طاحونة على النيل، ارفعا هذه الجملة. فرد عليه عاصي الرحباني: بل أنتم ضعوا طاحونة على النيل!
لا شك في أن المسرح من أقدم الفنون الإنسانية، وقد عرف في بلادنا منذ النصف الأول من القرن العشرين. وقد روى الفنان الكوميدي عمر حجو أن المسرح في مدينة حلب كان مزدهراً منذ الأربعينات، وحينما استقلت سوريا قدمت إحدى الفرق الحلبية مسرحية بعنوان «الاستعمار في العصفورية» لعب فيها عمر حجو دور وزير الخارجية البريطاني «إيدن». وفي أحد الأيام خطر لوالدته أن تتفرج على المسرحية، فذهبت إلى المسرح دون أن تُعْلمه بذلك، وعند الباب اعترض طريقها الحاجب الذي لا يعرف مَنْ تكون، قائلاً لها:
ممنوع الدخول يا حاجّة إلا ببطاقة! فقالت له وهي تدفعه بيدها: ابتعد من طريقي يا ولد، بلا كلام فارغ، أنا (أم إيدن)!
الأمانة إلا الأمانة
وفي ذات مرة قدمت إحدى الفرق المسرحية عرضاً سيئاً للغاية، وبعد العرض طلب مدير الجلسة من الحاضرين أن يناقشوا المخرج في فنيات العمل، فبدأوا يوبخونه ويعددون له سوءات العرض، ويسهبون في الحديث عن ركاكة الحوار وتفكك البنيان. فجأة تقدم أحدهم وقال:
لماذا لا تناقشون كاتب النص فيما كتب وهو موجود بيننا؟
وعلى ما يبدو فإن المخرج لم يكن يعرف كاتب النص شخصياً، فتقدم منه وسأله:
عفواً أنت الكاتب فلان؟
قال: نعم.
قال: والله يا أخي إنني لم أفهم من نصك شيئاً، ولكنني، للأمانة، قدمته كما هو!
يداك أوكتا وفوك نفخ
وكان في إحدى المحافظات السورية مجموعة من الهواة الذين يشتغلون في المسرح، وكان بينهم رجل يدعى (ع)، يتمنى أن يكون كاتباً ومخرجاً مسرحياً، ولكنه لا يجيد هذه الأمور!.. وفي يوم من الأيام حمل بعض الهدايا وذهب إلى الكاتب (س) في بيته، وطلب منه أن يكتب له نصاً ويعطيه إياه بالكامل، ليضع عليه اسمه تأليفاً وإخراجاً، فوافق (س)، وخلال يومين أنجز نصاً وتبرع به للسيد (ع) الذي تلقفه وأحضر الممثلين وأنجز إخراج المسرحية ضمن زمن قياسي. وفي جلسة الحوار التي أعقبت العرض الأول شرع الحاضرون يوبخون (ع) على الضعف والتهلهل والركاكة.. إلخ،.. ومما أثار عجبه أن أكثر مَنْ وبخه هو الكاتب (س) الذي ركز بالدرجة الأولى على ضعف النص وبؤس الحوار!
طرفة سينمائية
ومما حدث في بلدتنا الشمالية التابعة لحلب أن السيدة أم عبود ذهبت مع زوجها إلى حلب، وتفرجا على محمد عبدالوهاب في السينما (هي تلفظها: السيلَمَا). وفي اليوم التالي كانت تحكي لجاراتها عن عبدالوهاب وقوامه الجميل، وطربوشه الأنيق، وأغانيه العذبة، وعن امرأته النكدية التي سودت عيشته طيلة الفيلم. وحينما تحمست إحدى الجارات وقالت إنها ستذهب غداً لمشاهدة عبدالوهاب في (السيلَمَا) ضحكت أم عبود وقالت لها بثقة:
لن تستفيدي من الذهاب شيئاً، فأنا نسيت أن أخبركن أن عبدالوهاب في آخر الفيلم حرد من زوجته، وضب أشياءه وغادر السيلما!
أيام الراديو.. والطرطران
ثم جاء المذياع (الراديو) بوصفه أول وسيلة للتواصل ونشر الفنون بين الناس.. وقد بدأت الطرائف تظهر منذ الأيام الأولى لقدومه، بدليل ما رواه الأديب توفيق يوسف عواد في كتابه «حصاد العمر» إذ قال:
الله على الراديو في الثلاثينات. مَنْ لم يستمع إليه لا يعرف شيئاً عن الأزيز والصفير والهدير والزئير الذي كان يصدر عنه، ولعل هذا ما دفع بالمجمع اللغوي المصري إلى تسميته: الطَرْطَرَان!
إيه.. يا حاج محمد
وأما في سوريا فقد بدأت الإذاعة ببث برامجها مع بداية الاستقلال في 17 / 4 / 1946، وكان عدد أجهزة الراديو في البداية قليلاً، لذا كان الناس يتجمهرون في منزل من كان لديه راديو، ويستمعون إلى أخبار (الحاج محمد هتلر)، ويدعون له بالنصر على أعدائه الكفار من الإنجليز والفرنساوية والمسكوف، وهم لا يعلمون أنه هذا (الهتلر) قد صنفنا نحن شعوب هذه المنطقة في آخر مراتب البشر!
طرائف الراديو
ومن طرائف (الراديو) أن حجمه في البداية كان كبيراً، ويشتغل على الكهرباء، وكان الفتية الصغار يندهشون من كيفية إذاعة الأخبار والأغاني منه، فيذهبون إلى قسم الخلفي، ويسترقون النظر إلى داخله ليروا أين يجلس المذيع، وكيف يستطيع المطرب والعازفون المرافقون له ان يحشروا أنفسهم ضمن هذا الحيز الضيق!
وعندما طلبت إحدى المذيعات من المطرب السوري مروان حسام الدين أن يغني إحدى أغانيه بصوته، من دون مرافقة الموسيقى، ففعل، وحينما انتهى من الغناء قالت له: يسلموا هالدَيَّات! وأحياناً يكون التعليق مقصوداً، وينم عن ذكاء المذيعة، مثلما حصل في برنامج كان يعنى باكتشاف المواهب الغنائية، حينما سألت المذيعة أحد المتسابقين عن الإيقاع، فقال:
لا أعرف عنه شيئاً.
قالت: دعنا نُسمعك إيقاعاً عسى أن تعرفه.
فقال: أنا واثق من أنني لن أعرفه.
فقالت: الثقة بالنفس مليحة!
العملاق القصير.. وسميرة كريمونا
وكانت معزوفات أمير البُزُق محمد عبدالكريم من العلامات المميزة لإذاعة دمشق، كل من يسمعها يطرب لها، ويندهش من الموهبة العالية التي يمتلكها هذا الرجل. وقد روى المرحوم نجاة قصاب حسن في كتابه «جيل الشجاعة «أن الموسيقار الألماني البارون بيلينج وصف محمد عبدالكريم بأنه (عملاق)، وهو لا يدري أن طوله 110 سنتمترات!
وحينما عُرف التلفزيون فيما بعد لم يكن محمد عبدالكريم يحب الظهور عليه، وربما أظهروه مرة في فيلم وثائقي يحكي عنه بعد وفاته، وحينما سئل عن المطربين الذين لحن لهم (وعلى رأسهم تأتي نجاح سلام في رائعتها: رقة حسنك وسمارك)، وفي سؤال عن سميرة توفيق، قال: عندما قابلتني كانت مغمورة، واسمها «سميرة كريمونا»، لم يعجبني صوتها، ولا الشامة المزورة التي تضعها على خدها، فأنا لا أحب التزوير!
عنزة في سيارة منصور الرحباني
وفي مهرجان بعلبك 1959 قدم الأخوان الرحباني وفيروز ووديع الصافي اسكيتش «المحاكمة» الذي يروي قصة سرقة عنزة. وكان منصور الرحباني قد اشترى العنزة في طريقه إلى بعلبك من إحدى جرود «عينطورة» ووضعها في صندوق سيارته (الجديدة آنذاك، ماركة أوبيل كابيتان) وأخذها معه إلى القلعة.
ظلت رائحتها الكريهة في السيارة لم تزُلْ إلى درجة أن أحداً لم يعد يقبل بالركوب في سيارته! ورغم محاولاته لمعالجة الأمر بالمنظفات ومزيلات الروائح أشهراً إلا أن الرائحة الكريهة مكثت في السيارة حتى اضطر في النهاية إلى بيعها، حزيناً عليها، فقد كانت أول سيارة جديدة يشتريها منصور في حياته.
مطر في البرازيل
من غرائب المصادفات أيضاً أن السيدة فيروز حينما كانت تقدم حفلتها في البرازيل غنت «شتي يا دنيا» فبدأ المطر بالهطول فجأة، بعد سنوات من الجفاف!!
خطيب بدلة

