على خلاف الاعتقاد السائد، أصبح من الممكن القول إن الصحافة الأدبية آخذة بالتحول إلى نوع من الكتابة قائم بحد ذاته بعد أن راحت تنتقل من صفحات الجرائد إلى صفحات المجلات والكتب.
تشهد الساحة الثقافية في أميركا اللاتينية حالة جديدة من الازدهار في ميدان الإبداع، لكن تلك الحالة لا تتطور في الميدان الأدبي وإنما في حقل القصة الخبرية، طرح يبدو أنه يشق طريقه بقوة في منطقة تحظى باهتمام عالمي كبير لجهة ما أبدعه كتابها من تيارات أدبية لها خصوصية ومذاق يعز نظيرها في أماكن أخرى من العالم، وذلك بعد أن بات يتردد ذلك الطرح مرارا وتكرارا على ألسنة العديد من المشتغلين في الشأن الصحافي.ماريو خورسيش، مدير تحرير مجلة «المالبينسانتي»، أطلق بدوره هذا الطرح على شكل نظرية في معرض تقديمه لكتاب «ثمار غريبة» للصحافية الأرجنتينية ليلى غيرييرو، التي اعتبرها، إلى جانب صحافيين آخرين هما مارتن كاباروس وخوان فيورو، اسم ثالث غير قابل للتقادم في عالم القصة الخبرية، فتملكتها الدهشة ونظرت إليه مرعوبة من تلك المقارنة، رغم أنها لم تكن منزعجة تماما.
ويمكن وصف كتاب «ثمار غريبة»، الصادر عن دار «أغيلار» الكولومبية بأنه خلاصة قصص خبرية منشورة بين عامي 2001 و2008 في مجلات مثل «المالبينسانتي» و«سوهو» و«غاترباردو» و«الباييس سيمانال» و«باخينا 30».حيث تتناول المؤلفة مواضيع متجانسة منها المعقد ومنها الساخر على غرار تحديد هوية المفقودين منذ أيام الديكتاتورية الأرجنتينية عن طريق الهياكل العظمية وقصة سجينة سابقة ذات الكبرياء الشامخة التي سممت بالشاي ثلاث صديقات لها لأنها كانت تدين لهم بالمال وقصة المستقبل الحزين لرجل عملاق لم يتمكن من الاستمرار في ممارسة الرياضة وقصة ذلك الكون العجيب والمتعصب لبائعي مستحضرات التجميل وقصة اكتشاف حالة استنساخ من فريدي ميركوري في أحد أحياء بيونس أيريس.
في نهاية المطاف، يبدو أن الأمر يتعلق بعودة مشهودة للقصة القصيرة، ذلك الجنس الصحافي، الذي يستغل، بعيدا عن المعلومات الجافة التي تعرض لها الأخبار، الموارد الأدبية ليعطي الأحداث أعماق أخرى ويضفي عليها ألوان غنية من الصعب على الخبر العادي التقاطها.
هذا الجنس الكتابي غارق في القدم في القارة الأميركية، ففي مقالاتهما الإعلامية المنشورة بين نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، كان خوسيه مارتي وروبن داريو يلجآن إلى نمط يمكن اعتباره سابق لأوانه، ومنذ ذلك الحين ظلت القصة الخبرية حاضرة في وسائل الإعلام الأميركية اللاتينية ولم يكن عابرا وقوف كتاب كبار على الواقع ورصد تفاصيله.
لكن هذا الجنس الكتابي الحديث نسبيا لم يبد أمام الأدب، أكثر من صنعة، فكل ما كان يوصف بالكبير والقيم والمهم والعظيم كان يصب في خانة الرواية والقصة. وكما يقول الصحافي ألبيرتو سالسيدو راموس، الذي برع في كتابة القصة الخبرية، فإنه لا يزال هناك الكثير من الكتاب الذين يعتبرون أن خلط الأدب بالصحافة يشبه إلى حد كبير مزج حبات من الكمثرى مع البصل المطاول، أو بالأحرى كالجمع بين عنصرين متنافرين، أحدهما حسن المظهر والآخر قبيح الشكل أو جمع ما لا ينسى مع ما هو عابر.
لذلك يبدو جديدا أن تظهر الأحرف والكلمات، في الوقت الحالي، أقرب إلى القصص الخبرية في حين لا تبدو الأجناس الأدبية التقليدية على النحو عينه، إذ تلاحظ كارولينا إيثيل في مقال نشرته في الملحق الثقافي «بيبيليا»، الذي تصدره صحيفة الباييس الاسبانية، أن «أميركا اللاتينية تخلت عن كونها قارة مبتكرة من قبل الأدب كي تتحول إلى قارة معاد اكتشافها على يد الروائيين»، في حين يؤكد باتريسيو فرنانديز، مدير تحرير مجلة «ذي كلينيك» التشيلية، أن هناك مجموعة من الصحافيين قد تموضعوا في الطليعة الأدبية حاملين معهم رغباتهم الجامحة في «سرد أمور لم يتم الحلم بها في ليلة هادئة، وإنما أمور تمت رؤيتها في اليوم السابق والسهرة، أمور تحدث في الواقع».
وبالتالي، فإن الذين كانوا يبحثون في الأدب عن خلفاء لأدباء مثل خوليو كورتزار أو جييرمو كابريرا إنفانتي أو كارلوس فوينتيس، كانوا يقومون بذلك في المكان الخطأ. وهنا لا يتعلق الأمر بوجود أزمة رواية أو قصة، فبحسب خورسيش، فإن ما يجري في الواقع هو أنه إذا نظرنا إلى هذه الظاهرة بجميع عناصرها مجتمعة، فإننا سنجد أن هناك أمور تحدث في الصحافة الأميركية اللاتينية أكثر أهمية مما يحدث في الرواية».
ثمة عناصر عديدة تبين هذا الصعود، منها وجود تقليد أدبي وغياب حالة من الازدهار تصم آذان الآداب المحيطة وظهور مجلات في العقود الزمنية الأخيرة تستخدم القصة الخبرية على أنها مادة أولية ودفع دور النشر بهذا الاتجاه.
يحدث ذلك في حين يبدو أن أوقات الحلقات المسلسلة الطويلة في الصحف اليومية، على غرار «حكاية غريق» التي كتبها غابرييل غارسيا ماركيز، والمنشورة عام 1955 في صحيفة «الإسبيكتادور»، قد أصبحت من الماضي، ذلك أن ذلك الحيز السخي لا يزال موجودا في يومنا هذا، لكنه موجود في مجلات من طراز «المالبينسانتي»، «دونخوان» أو«سوهو» الكولومبية، أو «غاتوباردو» المكسيكية أو «إتيكيتا نيغرا» البيروفية، التي تتسم نصوصها بلغة معالجة بإتقان وانغماس رواتها في القصص، وهما سمتان جيدرتان بالظهور في الأنطلوجيات بصورة متكررة.
في هذا السياق،أضفت الصحف اليومية بريقا على تلك الصحافة الأدبية عن طريق إنشاء الجوائز أو الشركات أو المجموعات، حيث تفسح «سانتيانا» في المجال أمام هذا الجنس الصحافي في مطبوعتها «أغيلار»، و«راندوم هاوس» تفعل الأمر عينه عن طريق مطبوعتها «ديباتي»، بينما «بلانيتا» لديها «جائزة بلانيتا للقصة الخبرية و«أناغراما» لديها مجموعة القصص الخبرية الخاصة بها.
على خلاف الاعتقاد السائد، أصبح من الممكن القول إن الصحافة ألأدبية آخذة بالتحول إلى نوع من الكتابة قائم بحد ذاته بعد أن انتقلت من صفحات الجرائد إلى صفحات المجلات والكتب.
ما لا يستهان به في هذه العملية هو تأثير الصحافة الأميركية الشمالية الجديدة فيها، تلك الحركة التي نشأت خلال الستينيات في الولايات المتحدة والتي كان من بين روادها وممثليها ترومان كابوت، توم ولفن ونورمان ميلر وغاي تيلس.تلك الحركة التي راهنت على أن الواقع يمكن أن يكون مقروءا كرواية، ولذلك لم يتوانوا في استخدام الحوار والمونولوج الداخلي والتوليف بين عدة أجناس في حيز ضيق في الصحف والمجلات.
لكن القول إن أسلوب كتاب القصة الخبرية الجدد من الهنود الحمر كان اختراعا يعو الفضل فيه لرعايا الولايات المتحدة سيكون خطأ فادحا، ذلك أن الكثير من الأميركيين اللاتينيين عالجوا نصوصا مشابهة منذ ما قبل الستينيات، على الرغم من أنهم كانوا يفتقرون لجامعي المختارات الأدبية الذين يصفون ويقيمون أهمية تلك النصوص الرائدة. فلقد نشر الأرجنتيني رودولفو والش في عام 1957، على سبيل المثال قصة تحت عنوان «عملية مجزرة».
وهي عبارة عن حكاية كتبها بأسلوب روائي شيق وتروي حدثا حقيقيا يتمثل في قتل مدنيين على يد الجيش في محافظة بيونس أيريس، الأمر الذي يذكر عادة لدحض أن ترومان كابوت هو الذي استهل ما يمكن أن نسميه «الرواية غير الخيالية» عندما كتب «بدم بارد» عام 1966.
في نهاية المطاف، يمكن الوصول إلى استنتاج يفيد بأن القصة الخبرية الأميركية اللاتينية الحالية راحت تتطور خلال نحو ستة عقود من الزمن تغذت خلالها من عدة مصادر، من بينها الصحافة الجديدة الأميركية الشمالية، التقليد الخاص،الأدب، السينما والكوميديا وبأنها تنقذ بهذه العناصر نوعية وجودة الكتابة نفسها وتقدم رؤى شخصية وتعيد ترتيب أوراق «الموضوعية» المنشودة في الصحافة التقليدية. وهنا يلحظ دور حاسم في هذه العملية، التي تسير إلى حد كبير على خطى الصحافة الأنجلوسكسونية، يلعبه الناشرون الفطناء وكتاب التحقيقات الصارمين، فضلا عن تماسك القصص.
لذلك ليس ضربا من الجنون التأكيد أن أمرا جللا يحدث وأنه قد يكون من الممكن الحديث خلال بضع سنوات عن صحافة أميركية لاتينية جديدة. والأمر الوحيد الذي قد يكون ناقصا في هذا السياق، كما يرى خورسيش، يكمن في أن تلك القصص الخبرية يجب أن ينظر إليها مجتمعة كي تدرك ظاهرة سرد الواقع بأصالة وفظاظة وفتنة وعمق في آن.
عندما كتبت الصحافية الاسبانية بيلار أوربانو، «الرجل الذي شاهد الشروق»، وهو عبارة سيرة ذاتية للقاضي الشهير بالتاثار كوراثون، فإنها لجأت إلى استخدام العديد من الأوصاف التي تصب في خانة هذا المضمون، حيث تقول: «جالسا على حافة السرير بقدم حافية وأخرى لا تزال مغطاة بجورب قصير، ينظر بالتاثار إلى زوجته يايو، ويلحظ أنها تغار».
كما أن الكثير من الجزئيات خدمت زميلها أركادي اسبادا ليهزأ منها ويطلق نكتة حولها: «يبدو غريبا أن تشاطر المؤلفة الحجرة مع الزوجين، لكن لا بد من الاستلام لها أمام الحوار الدقيق في كتابتها، فبين الجورب والآخر لاحظ بالتاثار غيرة يايو»، ويخلص إلى أنه «ما كان من الممكن انتظار نهاية أخرى من شيء غير معقول ومحال بقدر تطبيق تقنيات الاحتمال(الرواية) وآليات السرد الحقيقي(الصحافة)».
يمكن أن يجد القراء في قراءة الواقع أمرا جذابا كما لو كانت المسألة تتعلق بالرواية، لكن إذا نظرنا لهذه القضية في سياقاتها الدقيقة، ألا يصبح من الممكن اعتبار ذلك بناء للوهم ونقص في جماليات وأخلاقيات المهنة؟
الصحافة الأدبية عادة ما تقع في فخين اثنين: الإفراط أحيانا في إعطاء دور البطولة للأقلام من جهة والتدخلات المحتملة في الرواية الخيالية المشتقة من استخدام تقنيات أدبية(إعادة ملء الفراغات، الحوارات، ابتكار الشخصيات) من الجهة الأخرى. ولقد جرت العادة على التسامح مع الوسيلة في حالة الأقلام الكبيرة، بيد أن الشك يبقى ملحا عندما يتعلق الأمر بالصحافة ويبقى السؤال مفتوحا، هل ذلك جائز ومباح؟
باسل أبو حمدة


