أدب

الروائي المصري عزت القمحاوي الخيال هو تكثيف الواقع

في ستة أعمال أدبية بين القصة والرواية تمكن عزت القمحاوي من أن يلخص تجربته التسعينية وينفرد صوته روائياً بين جيله من أدباء مصر. فالقمحاوي الذي هضم تجربة سرديات كثيرة مصرية وعربية وعالمية، بلغ مستوى مرموقاً في سردياته الروائية والقصصية وافترق عن أبناء جيله ثقافة ووعياً في تقديمه لشرائح مجتمعية توغل فيها كثيراً واكتشف ما يمكن اكتشافه في هذا المجتمع المكتظ بالشخصيات الاستثنائية.

وفي هذا الحوار الذي خص به «مسارات» يكشف عن آليات اشتغالاته السردية والمعرفية في حرفة الرواية التي أنتج منها ما هو قابل للجدل النقدي الذي يعترض عليه القمحاوي في أحد تفريعاته وهو اللغة.

هل استطاعت رواية أن توقف حربا، هذا سؤال جاء على لسان عيسى بطل روايتك (غرفة ترى النيل)، هل تستطيع رواية أن ترمم واقعا صدعه الفساد؟

تريدينني أن أناقض نفسي؟ أنا أعطيت خوفي من الكتابة وشكي في جدواها لعيسى الروائي الذي لم يكتب شيئاً، من هذه الزاوية عيسى هو أنا. لا تستطيع رواية أن تتبجح بقدرتها على ترميم واقع، لكن على المدى الطويل تستطيع جماليات الفنون متضامنة أن تطرد قبح الواقع. يكفي أن نكتب بشكل نرضى عنه ويرضى عنه قلة من المتعاطفين معنا.

لعبة الزمن في روايتك سالفة الذكر لعبة متحولة بين الماضي والحاضر وهي تيمة ليست جديدة في السرد، ما الذي جعلك تلجأ إلى هذه اللعبة؟

الزمن أحد عناصر المعمار الروائي، يكمل عنصراً آخر هو المكان. وبما أنني اخترت لروايتي فضاء صغيراً هو غرفة في مستشفى، فكان لابد أن أستعير من الزمن ما أكمل به المكان وأحول ضيقه إلى اتساع.

هكذا جاءت أصوات الشخصيات لتسترجع ذكريات الماضي بأماكنها المفتوحة والمبهجة، سواء في النوبة أو فوق جبال المجر. ثانياً كان في هذا الماضي ما يقول إن الحياة بها ما نستحق أن نعيشها من أجله. عيسى البطل المحتضر، يذهب إلى الموت ببساطة وحب وسلام، ويستقطر المتعة في الأيام الثلاثة التي أقامها بالمستشفى، ويتذكر أجمل علاقة حب في شبابه، وكأنه يريد أن يقول «أشهد أني عشت» كما قالها الشاعر بابلو نيرودا. هذه الذكريات كانت في الرواية بمثابة إعادة العيش، ولم يكن في الأمر أي تعسف، فعادة ما يجري الناس حساباتهم كلما سكنوا على سرير، سواء كان سرير صحة أو سرير مرض.

تبدأ الرواية بإعلان نبأ الموت، ثم تبدأ لعبة الاسترجاع، وهو ما نوه به الناقد صبحي حديدي في كلمته على غلاف الرواية. الموت معلن، وليس هناك مساومة أو ابتزاز للقاريء بتأجيل «أخبار» ومفاجآت إلى النهاية، كان طموحي أن أوقع القارئ في حب عيسى كما أحببته أنا.

جاء البناء الفني في الرواية ذاتها محكما إلى حد فاعل في إنماء الحبكة السردية للرواية، فإلى أي مدى ساهمت اللغة في تأسيس منظور سردي لبناء روائي متقن؟

وأظن أن كل رواية يجب أن تخلق لغتها، بل لغاتها معها. في غرفة ترى النيل هناك مستويات من اللغة، أولاً عند كل شخصية هناك لغة المونولوج الذاتي، ولغة السرد على لسان الراوي، ولغة الحوار بين شخصية وأخرى. الممرضة غير الطبيب غير مغسل الجثث في المشرحة، وخطابات الحبيبة الأجنبية لابد أن تقنعك بمستوى لغة من يتقن العربية لكنه ليس من أبنائها، فهذا يستخدم تراكيب مختلفة تتبع المنطق اللاتيني لا العربي.

وعدم إحساس بكل ظلال اللغة، عدم الإحساس بالعيب مثلاً، الإنسان لا يحس العيب في اللغة المكتسبة مثلما يحسه في لغته الأم، لذلك فإننا نستمع إلى الألفاظ البذيئة في فيلم أجنبي من دون أن نشعر بالخجل، وعندما نترجم تلك البذاءة الشهيرة نحولها إلى «تباً لك» وأنا أقول تباً لكل ناقد ينسى اللغة عندما يتعرض لتقييم رواية!

كل خيال روائي هو واقع وكافكا يقول: الخيال هو تكثيف الواقع، نهاية روايتك (غرفة ترى النيل) جاءت على هذا الشرط المتخيل بتجسيده واقع الموت بطريقة أقرب إلى الميتافيزيقية المتخيلة رغم واقعيتها، هل تغريب الواقع جزء من اللعبة الروائية، وهل الواقع المكثف الذي رسمته في نهاية الرواية تجسيد لخلق رؤيا حلمية متخيلة لفرادة الموت من كونه واقعا أكيدا؟

إن كان كافكا قال ذلك فقد كذب أو أخطأ، لأن رواياته تقول شيئاً آخر. الخيال ليس تكثيفاً للواقع، بل يبني نفسه مستقلا ولكن بصورة تجعله يبدو كما لو كان هو الواقع. وهذا ما نسميه الصدق الفني.

وكافكا عندما جعل بطله «ك» يستيقظ من النوم ليجد نفسه حشرة لم يكن يكثف الواقع، لكنه كتب شيئاً خيالياً تماماً وأقنعنا بأنه يمكن أن يحدث في الواقع. ماركيز رفع ريميديوس الجميلة إلى السماء عندما ماتت، وصدقناه، لكننا لا نصدق حكايات تروى أمامنا كل يوم في الواقع عن ميت أجبر حامليه على التمهل قليلاً أمام بيته. كثيراً ما أسمع ذلك من مشيعين في قريتي .

ولا أصدقهم، مع العلم بأن ريميديوس ليست أطهر من موتى قريتي لتجترح معجزة أكبر، لكن ماركيز أكثر احترافاً من الرواة الآخرين.إذن أنا أعتبر الفن منفصلاً، وهو أذكى من الواقع، الواقع بليد، وعمل الفنان هو إقناع المتلقي بواقع أقل بلادة، وأكثر خفة. والخفة تأتي من الأسطورة، وإن كنت نجحت بالطريقة التي صورت بها رحيل عيسى في إقناعك بخفة الموت وسهولته، وفي الوقت نفسه ببهجة الحياة وجدارتها بأن نحياها، أكون قد نجحت.

المتابع لمسيرتك الإبداعية سيلاحظ بالتأكيد أن كل عمل من أعمالك الروائية هو مشروع قائم بذاته لا تربطه صلة بعمل سابق أو لاحق،كيف تمكنت من تفادي السقوط في فخ التكرار الذي سقط فيه كثير من الكتاب؟

كل الناس تفضل الحصول على الخدمة بدلاً من منحها، باستثناء فئة قليلة من المرضى النفسيين أو السائرين نياماً، وبينهم الكتاب بالطبع، يحبون أن يؤدوا خدمة كان بوسعهم الحصول عليها من الآخرين. القراءة أمتع، والقارئ سيد، يختار ويصدر الأحكام، بينما يبذل الكاتب مجهوداً أكبر وينتظر رحمة القارئ. الميزة الوحيدة إلى يتمتع بها الكاتب هي أن أحداً لا ينتظره.

إذا لم أصدر روايتي في توقيت معين لن يحتج القراء ولن يتظاهروا، وبالتالي يجب ألا يعرض الكاتب نفسه لمساءلة القاريء الملول، ويجب ألا يسرق من عمله أو يوفر جهداً. والكاتب لا ينافس نفسه أو كتاب بلده فقط. ولابد أن يكون لديه طموح الاختلاف، وهذا الاختلاف هو على صعيد الشكل والبنية، لحسن الحظ، فالكاتب السعيد لديه سؤال أو سؤالان يدور حولهما طوال عمره في تمثيلات مختلفة.

رواية (الحارس) من الروايات التي تصلح للمعالجة السينمائية، هل فكرت في ذلك أثناء الكتابة، وهل سترحب بفكرة تحويلها إلى فيلم سينمائي إذا ما عرض عليك ذلك من قبل جهة إنتاجية؟

دائماً كان عندي طموح كتابة سيناريو، لكن بوصفه فناً مستقلاً، لدي حب مبكر للسينما، وأقدر ثقافة الصورة، وهذا التقدير يطبع كتابتي الروائية بسمة مشهدية بصرية، من دون وعي طبعاً، فلم أفكر أبداً في أن كارثة كهذه يمكن أن تتحول إلى فيلم، ولو وجدت مجنوناً مستعداً لتحويلها إلى فيلم فإن ردي بالإيجاب أو الرفض سيعتمد على رأيي فيه، إن رأيته شريراً يستحق الخسارة سأوافق فوراً على توريطه.

هل تختلف لذة القارئ عن لذة الكاتب، وهل تختلف لذة الكاتب في عمل عن عمل، وإذا كان الأمر كذلك، ماذا أعطتك (مدينة اللذة) مختلفا عن غيرها من كتبك؟

أظن أن قسمة العدل في لذة النص بين الكاتب والقارئ هي الوضع المثالي، ولا يمكن تحقيقها إلا في حالات نادرة،لأن القارئ ليس صاحب مصلحة مع هذا النص أو ذاك، مصلحته الوحيدة هي المتعة، ولا يمكن أن يخدع نفسه، الكاتب على العكس، صاحب مصلحة في أن يكون قد كتب أجمل نصوص العالم، هنا المشكلة وهنا الفرق القارئ لا يوهم نفسه بالمتعة، بينما الكاتب يفعل ذلك غالبا.

أيضا القارئ غير مرئي، أما الكاتب فمكشوف، ويمكن للقارئ أن يعرف إذا كان الكاتب قد عانى في كتابة نصه،أم كتبه في حالة لعب، المعاناة تطرد اللذة وتجلب خشونة لا تخطئها عين القارئ.لكن هذا سيكون من قبيل التجني أن أتحدث عن القسمة بيني وبين القارئ فهذا الأخير أقدر على الحكم، لكنني أستطيع أن أتحدث عن الإختلاف في حصصي من متعة الكتابة بين (مدينة اللذة) وغيرها.

هذا العمل ولد نصه الأول، أو فصله إن شئت، وكأنه نص وحيد، خرج في سر إطلاق طائرة ورقية في ظل ريح مواتية، لكنني فوجئت بأن الطائرة تحلق بأكثر مما قدرت لها، وما كان أمامي إلا المواصلة بدهشة طفل، يحاول أن يسرع في فك الخيط لتلبية حاجة طائرة تدفعها الريح بعيداً عنه. أتذكر أنني كتبتها في نحو عشرين يوماً ولم تكن هناك تعديلات تذكر على المسودة الأولى.

لا أستطيع أن أواصل كتابة بغير لذة، لكن هذه المدينة كانت الحد الأقصى، وهذه اللذة نابعة من الحرية التي منحتها لنفسي، ليس في استخدام أساطير الثقافات المختلفة، بل في المحاكاة الساخرة لها. والسخرية في أساسها تنبع من إحساس بالتفوق.لكن المشكلة أن ما حصلته من متعة أثناء الكتابة، كان على أن أدفع بدلاً منه خوفاً، لأن البعض حاول ـ بحسن نية هذا مؤكد ـ أن يختصرني في مدينة اللذة، ومعركتي مع الكتابة منذ صدورها عام 1997 هي لكي أثبت أنها كانت محض بداية الخيط وليس نهايته.

سولاف هلال

تعليقات

تعليقات