ما بين عربات الخيل وقطارات المترو يمتد زمن سري قطعه الإنسان. وبين التأمل والسرعة ثمة فضاء أيضا لأن قوة قطارات المترو مهما تطورت، تبقى أسيرة لقوة الحصان واندفاعاته الجامحة. هو نوع من خيوط العنكبوت الواهية، لذا لم يكن غريباً أن وسائط النقل بدأت في باريس بعربات الخيل وانتهت إلى أسرع قطارات العالم.
من شوارع باريس الضيقة وخصوصا حين تزدحم بالسيارات، هي التي أجبرت باريس على التفكير بواسطة نقل أخرى، ومن هنا نشأت فكرة تأسيس واسطة نقل أخرى لا تسير على الأرض بل تحتها بعد أن فشل «التراموي» على الأرض في استيعاب السكان.ولكن ولادة مدينة في جوف مدينة باريس لم يكن سهلا لأن أرضها تعاني من مشكلة انتشار الجبس الأبيض الرخو مما يهدد انهيار الأرض في مناطق معينة نتيجة للحفريات الكثيرة لذا اضطرت مؤسسة المترو أن تربط منطقة الديفانس بباريس من خلال مد أنفاق المترو تحت نهر السين. ومن المعروف أن باريس شيدت من خلال حفر الأحجار الموجودة في جوف الأرض وعلى الخصوص المباني العملاقة مثل متحف اللوفر ومتحف أورسي وقصر الاليزيه الرئاسي وقصر العدالة وقوس النصر وكنيسة مادلين ونوتردام دي باري.
وكانت توجد في الماضي «مقابر تحت الأرض» كما هو الحال في روما، وأضخم مقبرة موجودة في باريس هي «بير لاشيس» التي يقبع فيها 2 مليون جسد إنساني.جاءت فكرة إنزال قطارات المترو تحت الأرض كي تحافظ باريس على جماليتها وحركتها: هناك عالم متحرك: الناس الذين تقابلهم، الملصقات الإعلانية التي تراها، المسرحيات التي يقدمها الشباب والفرق الموسيقية التي تعزف والمعارض التشكيلية المقامة على الجدران وملصقات الإعلانات، كلها تشكل جزءاً من ثقافة باريس التي تشهد امتداداتها أينما وجود الإنسان سواء كان فوق الأرض أو على سطحها.
وتسعى كل محطة من محطات المترو أن تعطي شخصية المكان الذي تتواجد: محطة اللوفر مزينة بالتماثيل واللوحات المماثلة لموجودات المتحف الشهير، محطة رودان تقع في المنطقة التي يتواجد فيها متحف رودان،»أوتيل دي فيل« لأنها موجودة في منطقة البلدية والتي تحولت إلى معرض دائم يمثل تطور مدينة باريس ومركزها الهام ... وهكذا بالنسبة للمحطات الأخرى. تقف على رصيف المترو وجها لوجه مع رجال ونساء، ترى في وجوههم خارطة المغرب العربي، بألوانه البراقة التي اختلطت بلون سماء باريس الرمادي، أسلاف هؤلاء هم العمال المغاربة الذين جاءوا في بدايات القرن التاسع عشر لكي يحفروا أنفاق المترو. في وجوههم تتلمس أنفاس المراكب، عبروا عباب البحر بأحلامهم العربية، ومحطات المترو تشهد على أحيائهم العربية: بارباس، غوت دور، بلفيل، وبورت دي كلشي، غوت دور وغيرها من الأسماء العربية.
فرنسا جندت العمال الأجانب الذين كانت تستوردهم من بلدان المغرب والجزائر وتونس وأفريقيا، وتطلقهم كالجرذان القارضة تحت الأرض حيث لم تكن تتوفر آلات الحفر المتطورة آنذاك. فقد كرست الإدارة الفرنسية مغامرتها الاستعمارية في شق الأنفاق وبناء المدينة العصرية التي أصبحت فيما بعد أهم عاصمة عرفها تاريخنا الإنساني الحديث. العمال يشقون الأرض يمدون قضبان السكة الحديد والمعامل تصنع العربات الزرقاء لم يكن أحد يدرك ان رحلة بناء المترو بدأت بحفر بئر! الصعوبة الأولى تكمن في النفق الأول .. أما الأنفاق الأخرى فقد امتدت بشكل تلقائي بعد أن رسمت الخرائط على الورق.
المترو لا يستقر في أعماق الأنفاق الأرضية طوال الوقت، فهو يخرج إلى سطح الأرض بين الحين والاخر تماما كسجين يتوق إلى الحرية لكننا لا يمكن أن نتخيل المترو بدون هذه الأنفاق المظلمة الممتدة على طول باريس وعرضها.
باريس لا توجد بدون عالمها السفلي، المترو.قد تصبح أي مدينة أخرى بدونه! في السراديب الكائنة في الأسفل تزدهر الأشياء الخفية. تولد اللقاءات.وتبرم المواعيد. وتصطدم النظرات، إذا فرقتك باريس الشاسعة عن النساء فإنك سوف تجدهن هناك وجها لوجه في داخل المترو، معظمهم يستثمر الوقت ويفتح كتباً ومجلات وصحفاً ويقرأ وبعضهم يحمل كمبيوتره الصغير ويكتب. أنفاق المترو تجعلك تحدق في الوجوه عن كثب كمن ينظر إلى نفسه في المرآة، فيرى وجهه ينعكس في المرايا المقابلة.
ليس ثمة ما هو أكثر وحشة من حشد متلاطم بين جدران محاطة بمخترعات عصرية! المدينة عبارة عن نقطة تقاطع. باريس نقطة تتقاطع فيها خطوط المترو دون أن تصطدم العربات ببعضها أو أجساد البشر بالبشر!لا مهرب من هذا الملجأ الأخير إلا بالهروب عن هذه النقطة. شئت أم أبيت أنت تتقاطع مع الحشد في أنفاق المترو.
وربما يتساءل البعض: أين نقطة التقاطع في هذه المدينة ؟
تكون الإجابة، إنه المترو. ثمة ثلاثة عشر خطاً للمترو يحمل كل منها رقما معينا ولكنها نادرا ما تدعى بأرقامها وإنما تدعى بأسماء محطات نهاياتها:» شاتليه»، «شارل ديغول»، «مونبرناس«، «بيغال«، «بارباس«، «فولتير«، «لوفر» «غي موكيه» وغيرها، تحمل المحطات أيضاً أسماء الكتاب والقديسين والكنائس وشهداء الحرب وأسماء الطيور وأسماء الجزر وأسماء القادة العسكريين والرؤساء. أسماء فرنسا والعالم كلها تجمعت هنا تحت الأرض كقافلة متراصة رسمت على ألواح أو حفرت على حجر في هذه الإنفاق. إنها هنا تحت الأرض، وعلى بوابات المترو في سطح الأرض، تذكرنا بالتاريخ والجغرافيا معا، بالفراغ والزمن.
هذه الخطوط تحملك إلى المتاحف والغابات وصالات السينما والقصور والساحات والمقاهي والمكتبات والمتنزهات والمسارح والسيرك. تطير بك على جناح السرعة بين أحياء باريس العشرين، تجعلك تتجول في دوائرها، دون أن ترغب البقاء في حي واحد!
في داخل المترو وخارجه ترى الظواهر المختلفة. على إحدى مداخل محطة مترو «الاوديون» ترى رجلا عجوزا تدرك بأنه أميركي من لكنته الفرنسية، يبيع القصائد المطبوعة بالآلة الكاتبة على ورق رديء. ظهره المقوس يدل على انه أمضى الليل بأكمله يكتب هذه القصائد خمسة يوروات بخط يده، إنها ليست قصائد والت ويتمان أو ديلان توماس بل قصائد رجل بدون مرتب تقاعدي يريد أن يعيش في كنف باريس ليس إلا !
أما في داخل المترو، على إحدى أرصفة مترو «الأوبرا» ترى رجلا شرقي الملامح، أسمر السحنة، يضرب بيديه النحيلتين على آلة السنطور يُخرج ألحانا كنا قد نسيناها في هذه الأنفاق الأرضية يكفي أن تنصب الشموع بجوار آلته ونقيم حفلة! في داخل صندوق الآلة الفارغ تنتشر بعض أشرطة التسجيل .. الأعمال الموسيقية الكاملة لهذا الموسيقار المجهول، الضائع الخطوات تحت الأرض. وما الموسيقى التي يسمعها إلا نبذة من أعماله المسجلة، يقدمها كنموذج لبيع أشرطته.
هذا الموسيقار صامت على الدوام في حضرة الأنغام الموسيقية مهما احتشد الناس الذين ينظرون إلى أصابعه بإعجاب ولكنهم يسألون عن اسم هذه الآلة .. لكنهم سرعان ما ينسونها في غمرة صخب عربات المترو الآتية!
هكذا القصائد تنتشر كأوراق الخريف عند مداخل المترو .. والأنغام الموسيقية تنتشر كسمفونية للفقراء الذين لا يمتلكون دفع ثمن الأوبرا الباهظ.
محطات المترو شأنها شأن أحياء باريس العشرين لا يمكنك أن تقارن «بارباس» و«بورت دي كلشي» و«بيلفيل» ومحطات اخرى مثل «بورت دوفين» أو «نويي» لي سابون» منها من ترتدي أسمالا باليه، ومنها من يرتدي ثوبا حريريا المحطات الثلاث الأولى شعبية والمحطات الثلاثة اللاحقة راقية .. لكن امتزاجها يخلق ثقافة باريس، بفقرها وغناها.
والمترو أيضاً.. صرح الإنسان المصمم على شكل متاهة. هنا تجد التلفزيون تنتشر، بشاتها الصغيرة اللماعة في معظم محطات المترو حيث تجعلك تنسى بأنك غائض تحت الأرض.
عمال الإعلان يأتونك بأوراقهم المطوية وعلب الأصماغ اللاصقة، بحثاً عن تعرية جدران المترو الداخلية ليضعوا لك رؤى جديدة: ألوان، نساء، طائرات تحلق إلى جزر، وبلدان تسطع فيها الشمس. في المترو أن ترى وتسمع، وتتفح كل حواسك إلى الموسيقى واللوحات والإعلانات والشعر والرواية وكل أشكال الفن. هذا رجل يحمل آلته الموسيقية.. أنه يعزف أغنية حب.. وحيدا مع أغنيته وأحلامه ووحشته.
عندما تتعب حنجرته ويحتاج إلى بعض الطعام، يبرز قبعته ويسألك أن تضع له بضعة يوروات. انظر إلى رصيف المترو.. أنه رجل آخر مسكين وإلى جانبه كلب وعظمته. أنهما وحيدان يجلسان على أرضية الرصيف.. وقد كتب الرجل عبارة بالطبشور الأبيض: أننا جائعان، أنا وكلبي! وهذا ما يثير الجمهور للتبرع ببضعة يوروات. تلك فتاة جميلة، ترتدي ملابس مزركشة، تبدو من الغجر الأسبان أو البرتغاليين أو اليوغسلاف.. بدل أن تسير على خطى الأخريات في نهب الكحل من العين في قطارات المترو، اختارت أن تبيع الزهور الحمراء، تقدمها للعشاق.
يأتي العمال ذوو البدلات الزرقاء والوجوه السمراء ينقلون علب النفايات.. ويكتسحون بمكانسهم العشبية أوراق الصحف وأعقاب السجائر من تحت أقدامنا التي تصطدم بخطوط بيضاء على الأرصفة دون أن تتجرأ التقدم نحو الأمام، نحو الهاوية، نحو قضبان الكهرباء، نحو الفئران المذعورة، نحو الموت!!
فرنسا جندت كل شيء من أجل حفر هذه الأنفاق كان عليهم أن يشيدوا مدينة أخرى تحت الأرض مدينة تضاهي المدينة الكائنة فوق الأرض بمعمارها الذي ينتمي إلى القرن الثامن عشر، ولكنها لم تنس أن تبث ثقافتها في هذا المكان ربما للتخفيف من قساوة هذه البثر العميقة داخل الأرض، كما لو أن هذه المدينة بكل ثقافتها تتنقل على العربات الزرقاء.
عندما نتمشى على أرصفة المترو ترى رجالا ونساء جالسين على المقاعد أو يتمشون على الأرصفة ليقطعوا الطريق على الهوس والاضطرابات التي تحاول التسلل إلى رؤوسهم في رأس كل واحد منهم تلمع محطة ما لكل واحد منهم أشغال يريد إنجازها طموحات يرغب في تحقيقها يخيل إليك ان العقل يسير في هذه الدهاليز على شكل حشد غفير كالمسافات التي يمتصها القطار طوال الطريق.
المسافرون على ظهر عربات المترو هم مسافرون عبر التاريخ. كل شيء في داخل المترو يذكرك بتفاصيل هذا التاريخ، برج بابل تلتقي فيه كل الأجناس البشرية كأنها تبحث عن ملتقى باحثين في أصولهم عبر القضبان الحديدة المختفية في الأقبية المظلمة. الكل يلتقي لكي يثري من روحه في ليل باريس ونهارها، باريس الذات وباريس الآخرين. المترو بألف وجه، يتغير على الدوام، كالثعبان الذي يبدل قشرة جلده، تماما كالبحر الذي يفتح أعماقه للمياه الآتية من الأنهر الصغيرة. هذه الأنفاق تتحول إلى ملتقى لإنتاج اللغات والإشارات والمعاني، واختلاط الثقافات والحضارات.
يكفي أن تقرأ الإعلان الذي وزعته مؤسسة المترو، والعبارة مكتوبة بـ 33 لغة، من ضمنها اللغة العربية كما لو أن المترو أصبح نقطة التقاء جميع حكايات العالم في شرايين باريس النابضة، فالمنطقة التي لا تصلها هذه الشرايين سرعان ما تصفر وتذبل وتموت كالجسد الإنساني. إنها حركة دائمة للملايين الذين يتقاطعون نهاراً وليلاً، باحثين عن أصولهم في اللوحات والموسيقى والإعلانات والكتب وفي جدران المترو.
شاكر نوري



