إن سطوع النور هو العلامة الكبرى تلك التي تحُول بيننا ككائنات محكومة بقوى طبيعية وعضوية محدودة بقوتها تاريخياً، ونحن شغوفون بالنور، وما يعنيه في كلّيته، وربما هو الدرس الأول والفاعل لنا لمعاينة الظلمة فينا.

بيننا وبين النور علاقات يصعب إن لم يكن يستحيل حصرها أو ضبطها، لأنه في الوقت الذي يمثّل صلة وصلنا بوجودنا البشري وعلاقتنا بالموجودات، يمتد بنا، بقدر ما ينتشر واصلاً إيانا بما يتجاوز حدودنا البشرية قيمياً.

إن ما هو إلهي يمثل نوراً محضاً يليق به مكانةً، ولكَم نستميت في الدفاع عن أنفسنا زرافات ووحداناً لنتلاشى في هذا النور الذي يعلونا في أصله، وإن كنا نحاول إيجاد أصول له فينا ليكون لارتباطنا الوجداني والذوقي به معنيً!

إن سطوع النور هو العلامة الكبرى تلك التي تحُول بيننا ككائنات محكومة بقوى طبيعية وعضوية محدودة بقوتها تاريخياً، ونحن شغوفون بالنور، وما يعنيه في كلّيته، وربما هو الدرس الأول والفاعل لنا لمعاينة الظلمة فينا.

النور في أكثر تمثلاته صفاء وشفافية، لا ينفصل عنا، إنه غائبنا المعتبَر، وهو حاضر فينا، لأننا لا نكفُّ عن التذكير به، عن المتعة الروحية المحقَّقة باسمه، بالقدر الذي نتمكن من تحديد خيوط العتمة المنتشرة في دواخلنا.

النور: لا مرئي المرئي، كلما أمعنا النظر فيه من خلال رؤية الأشياء من حولنا، وتلك بلاغته الوحيدة الجديرة بالتذكير، لنحسن تربية أنفسنا، ونحن نعاين ليس نقيض النور فيما نختلف عليه إلى درجة التنازع، وإنما ما يصلنا بالنور، وهو لا يفارقنا، باعتباره حقيقتنا الغائبة، فكل إنجاز في مرتقى إنساني انغمارٌ بالنور بنسبة أكبر وأوفر!

إن رغبتنا المتنامية والمتجددة في النور، تنبع من خوفنا مما هو معتم داخلنا، من أننا عالقون في ظلام يعيش حالة مد وجذر فينا بحسب مواقعنا الاجتماعية والثقافية وكذلك طبيعة المبادرات التي يقوم بها كل منا، ومدى استعدادنا لتقبل ضريبة النور المتصاعدة مع كل وعي لصيق، بعلاقاتنا ذات المنطلق الإنساني وانطلاقنا من بيئاتنا المحلية.

فلنسمّ ذلك جمالية الرغبة في النور، أو إرادة النور هذه التي نتباهى بها بتفاوت ، وما في ذلك من شعور نفسي بالتناقض أو التعارض بين أن نكون ( في النور) أو( على نور) كما هو الجاري بيننا حديثاً أو حواراً طرفينياً وعلى أعلى مستوى في الشأن الدولي والكوني، والمصير الذي يجري التفكير فيه بشرياً، وما لا ينفَّذ، ما لا يجري الالتزام به باعتباره مستولَد نور، ومن تبعات رغبتنا المفصَح عنها.

حيث إن لحظة الانكشاف برعاية نورانية، كثيراً ما تباغت ناشد النور والمشدد عليه، بما لا يشتهي، ولهذا يبرز التردد أو السعي إلى الالتفاف والبحث عن المسوّغات التي تحيل الآخر إلى عدو النور، خصمه، كما هو شأن الظلماتي، ليجري انشقاق في مفهوم النور، ومتى يكون النور نوراً. ولعل أصحاب التنوير في أقصى ما توصّلوا إليه عقلياً.

وفي أزمنة مختلفة، وليس في القرن الثامن عشر وحده، كما يؤرَّخ له، هم أكثر دراية بمفارقات المراهنين على النور، والصراع عليه، وكأنهم يتمسكون بخاصية العتمة قبل سواها عندما نعاين طبيعة ارتباطاتهم بمن حولهم وبمجتمعاتهم وفيما وراء حدودهم، وليس التعبير الرائج: الحداثة وما بعد الحداثة، هذا المفهوم المطاط جداً، إلا ممارسة نوع من الاستئناف إلى ما لانهاية، لفضّ الاشتباك بين ما يبقي النور نوراً، وما يكون الظلام ظلاماً، حيث الحديث عن النور بالذات، يتجاوز كل التخوم الممكنة للمرئي باسمه، إذ يتم احتواؤه وتحويره، ليكون الواضح ليس الماثل أمام أعيننا وبرعاية سلطة النور، إنما ما يعتبره كل طرف على أن الذي يمثله أو يتمثله يكون الواضح، أي يكون من أهل النور ودعاته.

ذلك ما يمكن تتبع خطوطه المتشابكة: العالقة، وما يخص ضحايا النور، وما أكثرهم، ومن يدعي تمثيل النور على الصعيد الأخلاقي في المجتمع، وإزاء النصوص التي تُقرأ في الفنون والآداب والفلسفة، ليكون تاريخ البشرية في أكثر صورها سفور معنى، هو مدى حضور النور فيما تنازعت عليه باسمه، وحققته قيمياً، وفيما تنسبه إلى نفسها في تنوع مجتمعاتها ولغاتها، من ناحية القرب الأمثل إلى النور، والسمو بذاتها من خلال تنوع آثارها المختلفة.

لا يعود النور واحداً رغم شمولية الاسم فيه، إنه كمٌّ كبير من الأسماء داخل اللغة الواحدة، وكأن رؤية النور حسياً، تمثل الخطوة الأولى والأسهل، وتكون واقعاً الأكثرَ غواية ووقوعاً في فخ الاسم، أما الخطوة التالية حيث يستحيل قياسها، فهي التي ترسم المراحل التي يقطعها كل منا، بينه وبين نفسه، بينه وبين الآخر، من جهة التحرر من غوايته الخاصة بالنور، والسباحة في نور الطبيعة العام، ومن يكون وراءها صُعداً نحو أعلى عليين، وربما كان ذلك دخولاً شاعرياً وذوقياً غير مسبوق لملامسة الروح باعتبارها عتبة النور المتحرر من كل الناطقين باسمه.

ولعل مصادر إلهامنا وومضاتنا الخاطفة ومشاعرنا التي تستشرف بنا ما هو أبعد من حدودنا الجسمية، هي التي يمكنها صياغة تلك الأجوبة المتعاقبة، وهي تنصبُّ على سؤال النور: نشوءاً وتشكلاً وكيفية انتشار داخلنا وبيننا!.

إبراهيم محمود