عالم خاص جداً. وسنوات عمر لا يمكن أن تعاد إلاّ مرة واحدة في حياتنا، عالم البراءة منهجه والضحكات الحلوة من سماته، والحركة السريعة تحكمه، عالم الطفولة بكل مفرداته الجميلة.

مشهد رائع نشهده في كل بيت، حجرة المعيشة ذات الأرائك الوثيرة يغُوص فيها الصغار من أبناء الأسرة أمام جهاز سحري ـ التلفزيون ـ محتضنين ألعابهم «كالدبدوب» و«دونالد داك» وغيرهما الكثير، وكراتين عصائر ـ يقال إنها طبيعية ـ مرشوق فيها ـ الماصة البلاستيكية، التي لا تفارق فم الصغار، وأكياس المقرمشات بكل النكهات تمتد أصابع الصغار داخلها لالتقاط المقرمشات، مشهد رائع وجميل، وعيونهم تتسع، وضحكات ترتفع، في الوقت الذي لا يسمعون أي شيء من حولهم حتى نداءات الوالدة التي لا حق لها في إبداء أي ملاحظة ـ حسب قوانين عالم الطفولة واعتقادات الصغار «فالصغار دائماً على حق» مثل «الزبون على حق»!

ولكن لماذا تتسع عيونهم وتتعالى ضحكاتهم؟ بالنسبة لهم السبب مهم جداً، جوهري، وجزء من حياتهم، فقط بطل أبطال الكرتون، توم وجيري، وهما أشهر من «النار على العلم» حتى في عالم الكبار، القط والفأر في صراع محبب يحاول كل منهما إيقاع الآخر في فخ «لذيذ»، فيسرق توم جبنة الفأر جيري وهي واحدة من أشهر الأجبان الفرنسية «الإيمانتال» ذات الثقوب التي يختبئ الفأر بداخلها ـ وينضم إليهما أصدقاؤهما من كلاب «البولودج» الشهيرة الكبيرة، ثم يبدأ صراع آخر بين الثلاثة في فناء منزل السيدة التي تقتني الفأر والقط. والتي تعتقد بأنهما مثاليان وغاية في الأدب، وهو «كارت» يلعب به كل منهما عليها ليفوز بمزيد من الطعام والتدليل معاً، ولكن في النهاية يضيق غالباً بها الحال.

وتفتح باب المنزل وتلقى بهما في الحديقة، التي يكسوها ثلج شهر ديسمبر، وهنا يبدأ صراع آخر عندما يتحد توم وجيري معاً لإيجاد حل لدخول المنزل، والمدفأة هي الحل، فيتسلقان سطح المنزل ويدخلان عن طريق المدفأة، فيكتسيان بالرماد، وآثار أقدامهما المتسخة تُعلم من البلاط والسجاد.مشهد من عشرات أو مئات من أفلام توم وجيري، معها بعيش الصغار، ويسقطون من حساباتهم كل شيء.وعندما يكبر الصغار تصطحبهم والدتهم إلى أحد دور السينما في العواصم العربية الكبرى، التي تخصص عرض سلسلة من أفلام الكرتون منها توم وجيري، وبطوط وغيرها، الكثير على مدار ساعة، وسؤال مشترك بين كل الأطفال يطرحونه على والدتهم «هوه فيه كرتون ولا خلاص كده» ـ وعندما تنتهي ساعة العرض يبعثرون في الصالة ـ صالة السينما ـ وكأنهم يعتصمون إعتصاماً طفولياً فطرياً لانتظار عرض آخر لا يجيء.

تتعالى الضحكات أكثر عندما يطل كرتون «ميني وميكي» المعروف باسم «ميكي ماوس».

سؤال يقفز إلى عقول الكبار من المهتمين بجمع المعلومات عن هذه النوعية المسلية من الأفلام الكرتونية، ليقصوها على صغارهم عندما يكبرون نسبياً، وهو: كيف كانت البدايات في صناعة سينما الكرتون الموجهة للصغار؟

علي سبيل المثال، تم رسم شخصية ميكي ماوس كبديل لشخصية «الأرنب المحظوظ» المعروف باسم «أوسوالد الارنب المحظوظ» التي ابتكرتها استوديوهات ديزني لتشارلز منتز صاحب استوديوهات يونيفرسال، وعندما طالب ديزني برفع الميزانية الخاصة بإنتاج مسلسل الأطفال الأرنب المحفوظ، رفض تشارلز الطلب، ورفض والت ديزني، بعد أن اكتشف أن تشارلز ليس أميناً معه، وبدأ ديزني من الصفر مرة أخرى. وتعتبر استوديوهات ديزني العملاقة واحدة من أكبر الاستوديوهات على مستوى العالم، تألف الاستوديو الجديد من الرسام لوس كلارك والرسام يو.بي. ل وركس.

وأتت فكرة ميكي ماوس من فأر كان في المنزل الريفي لوالت ديزني، وسرعان ما رسمها الفنان وركس، وتطورت إلى أن أصبحت ميكي ماوس، الذي يشاهده الصغار والكبار أيضاً.

ومن أبرز تأثيرات شخصية ميكي ماوس في المجتمع الأميركي بصفة خاصة والمجتمعات الأخرى على امتداد العالم أنه تم إصدار بعض الطوابع البريدية عن هذه الشخصية، وقامت على هامش شخصية ميكي ماوس صناعات للأطفال، مثل أطباق مرسوم عليها هذه الشخصية، تمتاز بألوان تخطف البصر، وملابس وألعاب على شكل الشخصية، فذاب الأطفال حبا وعشقاً لها وأقبلوا عليها.

وعلى غرار هذه الشخصيات الكرتونية، توم وجيري وميكي ماوس، قامت العديد من الشركات الأجنبية بطرح أفلام كرتونية أخرى مثل دونالد داك الذي عرب بالعربية تحت اسم «بطوط» وتقوم الشخصية على فكرة الحد من استهتار أولاد شقيق بطوط وكثرة طلباتهم منه، وجاءت أفلامه متميزة بالبديهة السريعة والذكاء الفطري للصغار.

وماذا عن أفلام الكرتون على الصعيد المصري والعربي؟

يعتبر مسلسل «بكار» أول مسلسل كارتون مصري أبدعته المخرجة الراحلة منى أبو النصر، وأخرجت عدة أجزاء من هذا المسلسل، ثم استأنف ابنها شريف الجمال العمل فيه بعد وفاتها في العام 2003، توقف عرض المسلسل في العام 2007، وتلاه مسلسل آخر كرتوني للكبار فقط، منتج ومصمم من الشركة ذاتها، شركة بكار بعنوان «سوبر هنيدي».

وللصغار والنشء من محبي المغامرات والترحال والبطولة في أعمال الخير، هناك واحد من أشهر المسلسلات الكرتونية هو «مغامرات سندباد»، من إنتاج شركة «ينبون أنيميشن»، والمسلسل من الرسوم اليابانية، ومن إخراج «فوميو كوروكادا»، يحتوي على 52 حلقة، يرجع تاريخ عرضه الأول إلى عام 1975، واستمر لمدة عام.

ويقوم مسلسل سندباد في الأصل على القصص القديمة المعروفة المختارة من «ألف ليلة وليلة»، ويقضي حكاية سندباد البحار العربي الذي يهوي الإبحار والمغامرات، وتعكس قصصه المصاعب التي يواجهها ويتمكن من التغلب عليها.

ومن ملامح جمال مسلسلات سندباد، أنه يتابعها الكبار أيضاً ويسهرون معها ـ بعد أن طرحت عبر شرائط فيديو في الأسواق ـ حتى الصباح من يوم جديد، لا يبالون بشيء مثلما يفعل الصغار أمام توم وجيري، ولكن بدلاً من تناول المقرمشات، تتم رحلات منتظمة من حجرة المعيشة المتسعة إلى المطبخ لإحضار أقداح الشاي والكعك وغيرها الكثير.

ولأن عالم المسلسلات الكرتونية عالم جميل ورائع، يعكس إلى حد كبير سمات مجتمع ما بطريقة مبسطة، يخرج الصغار منها بالعديد من القيم، التي لابد وأن يشرحها الأهل لهم، حتى لا تتحول جلساتهم الطويلة أمام شاشة التلفزيون إلى مجرد إبهار ومقرمشات، ولأنه عالم ساحر، تواصلت صناعة العديد من المسلسلات والأفلام، من أشهرها أيضاً المسلسل الكرتوني «بوجي وطمطم»، وهو مسلسل مصري، له تأثير كبير في ثقافة الطفل المصري والعربي، وارتبط بوجدان الأطفال خاصة في شهر رمضان الكريم، وهي ثقافة عربية ينقلها المسلسل في مواجهة الثقافات الغربية التي قد تغير الكثير من مفاهيم الطفل العربي، وقد تؤثر سلباً في تفكيره.

وتم إنتاج حلقاته الأولى في العام 1983، وتوالت الأجزاء بعد ذلك حتى وصلت إلى 148 جزءاً، أهمها وأشهرها بوجي وطمطم في رمضان، الفيل الجميل والفانوس السحري؛ بوجي وطمطمم وأسرار جحا ـ حبيبتي اسمها مصر ـ أولاد القمر.

وحاز المسلسل بكل حكاياته الطريفة التثقيفية على متابعة الكبار أيضاً، وأبطال المسلسل الكوميديان الراحل يونس شلبي في دور بوجي، والقديرة هالة فاخر في دور طمطم، ومن إخراج المخرج الراحل «رحمي».

وبعد عشر سنوات يعود بوجي وطمطم ليطلا مرة أخرى على الكبار والصغار إطلالة جديدة واعية، في مسلسل كرتوني بعنوان «بوجي وطمطم والكنز الكبير»، ويقوم فيه الفنان الكوميدي محمد هنيدي بدور بوجي والفنانة الشابة إيم ابنة سمير غانم بدور طمطم.

ولأن التطور سمة عالمنا ومجتمعاتنا، فقد ظهرت مجموعات من مسلسلات كرتونية غربية متطلعة إلى مستقبل جديد تميزها فكرة الخيال العلمي، منها فيلم «جوراسيك بارك» وهو ليس فيلماً كرتونياً بالمفهوم التقليدي، وإنما هو فيلم أبطاله من حيوانات عملاقة كالديناصورات وغيرها، كان للتقنية دور البطولة في إبداع هذه الشخصيات العجيبة خاصة عجيبة وغريبة على المجتمعات الشرقية، ولكن قد يبرر ذلك ضرورة الإطلاع على النتاج العالمي الغربي في كل المجالات كنوع من المتابعة واستخلاص ما يفيدنا منها في مجالات مختلفة.

عودة «للجوراسيك باراك»، وهو فيلم ينتمي للخيال العلمي، أنتج في العام 1993، للمخرج «ستيفن سبيلبرج»، ومستوحى من رواية بالعنوان نفسه للمؤلف «مايكل كريشتون»، يتركز الفيلم على جزيرة خيالية هي «إيسلانابلار»، حيث ابتكر العلماء حديقة رائعة عليها تعيش الديناصورات، وعليها تتوالى الأحداث. وقد قام المخرج بدعوة أبطال الفيلم «سام نيل» و«جاف جولد بلام» و«لورا ديرن» ليوم الافتتاح. وقد ظهرت الحيوانات ـ باستخدام التصنيفات الحديثة غاية التعقيد ـ ظهرت وكأنها حيوانات طبيعية.

ويعتبر الفيلم الكرتوني «كتاب الغابة» الذي أنتج في العام 1967 للمخرج فولفجانح رانيررمان من أبرز الأعمال في هذه النوعية، وتدور قصة الفيلم الكرتوني حول الطفل «موجلي» الذي أبدعه الشاعر الانجليزي روديارد كيبلنج يعكس الفيلم حياة طفل ولد في الأدغال، فعاش على طريقة الحيوانات الموجودة بها، وتدور صراعات وحبكة الفيلم أو مشهد القمة فيه «المساترسين» عندما ينصحه النمر «باجيرا» بأنه لابد له من الهرب من الغابة والعودة لعالم البشر الذي ينتمي موجلي إليه، وينتهي الفيلم الكرتوني على صدفة تجمع فيما بين «موجلي» وبنت في نفس عمره جميلة رقيقة تقابلا عند النبع، فذهب معها في مشهد رائع وداعي قام به كل حيوانات الغابة، خاصة أصدقاء موجلي والدب «بالوو» الذي يعكس الصداقة الحقيقية الوفية لموجلي في مشهد غنائي مؤثر.

وعندما تصل صناعة سينما الكرتون للقمة بحق، نجد الفيلم الأميركي «أب» الذي به افتتح مهرجان كان السينمائي للعام الحالي 2009، من إنتاج «ديزني وبكْسر انيماشن، ومن إخراج «بيت دوكتار، والفيلم يستخدم تقنية الـ «3» أي البعد الثلاثي في تجسيد الشخوص، وهي تقنية أميركية حديثة.

تدور أحداثه في إطار كوميدي حول رجل في الثامنة والسبعين من عمره، يعمل في بيع البالونات طوال حياته، الأمر الذي جسد له حلم حياته بأن يأخذ آلاف البالونات يربطها جيداً ويأخذها لسطح منزله ليطير بها ويحلق بين الحلم والواقع لتحقيق رغبته في الذهاب لأميركا الجنوبية، ولكن حلمه انقلب كابوساً ليلياً عندما فشل مشروعه في الطيران باستخدام البالونات.

ومن أشهر الأفلام الكرتونية الأميركية التي استخدمت تقنية الـ « 3» والبعد الثلاثي فيلم «آيس إيج» أو «عصر الجليد» للمخرج كارلوس سالداناه والمخرج المساعد «مارك تورماير». وفيلم مدغشقر للمخرج «إيريك دارنلي».

و«البعد الثلاثي يجسد الصورة، فبدلاً من مشاهدة الحيوانات الكرتونية بشكل مفلطح أو انسيابي، نجدها مجسدة وقريبة جداً من عين المشاهد وعميقة في شكلها، وكأنها تخرج من شاشة العرض، لتأخذ مكانها أمام عيون المشاهد، ويتم ذلك بتقنيات غاية في التعقيد، والمشاهدون يضعون نظارات خاصة يأخذونها من إدارة السينما التحقيق هدف الصورة المجسدة التي وراءها تكنولوجيا سينمائية متقدمة جداً.

أفلام الكرتون والعنف ليسا أبدا وجها لعملة واحدة، أو هكذا كان المفترض، ولكن لدواعي التطور نحو الأسوأ تطل ظاهرة العنف حتى من سينما الأطفال، وهناك فارق كبير فيما بين مفهومي العنف والقوة، فالقوة قيمة ايجابية لابد منها، أما العنف الذي تجسده اشكال كرتونية غاية في الغرابة والضخامة، وتأخذ من العنف الدموي ركيزة لها، وأصواتها تتجسد كالخوار، هذه النوعية من الأفلام تتركز سلباً وخوفاً في أذهان الصغار، وتنمى لديهم حالات عنف، ربما نجدها على أرض الواقع تتمثل في الضرب العنيف من الصغار لأصدقائهم وربما تتمثل لديهم في حمل الأسلحة البيضاء، ويعتبر الفيلم الكرتوني «سلاحف النينجا» رمزاً على هذا العنف، وغيره الكثير.

وقد أدرك الغرب سلبيات وخطورة أفلام العنف خاصة على الصغار والنشئ، فقد قامت السلطات الإعلامية الفرنسية بمنع العنف في الكرتون خاصة الموجه للمراحل العمرية الأولى وما بعدها للأطفال والنشئ، وبالفعل نفذ هذا القرار، وقد لاقت فعل هذه القرارات صدى في العدد من دول العالم الغربي للحد من ظاهرة العنف وعدم تربية الصغار منذ نعومة أظافرهم على كل ما هو عنيف ودموي وقاس.

بعد آخر استغلت فيه الرسوم المتحركة، وهو البعد الترويجي أو الإعلاني عن سلع معينة، وغالباً ما تكون هذه السلع خاصة بالصغار، وهذا البعد له خطورته، إذا ما كان مبالغا فيه، حسبما يؤكد علماء السلوكيات وعلم نفس الطفل، بان الطفل وسط هذا الزخم الإعلاني ينشأ شخصية استهلاكية من النوع الأول، ويصبح أنانياً لأن مطالبه هي التي تأخذ الأولوية عنده، بالإضافة إلى أنه ينشأ متلقياً، غير مبدع، لأنه يتلقى كل ما يلقى على سامعه وأمام عينيه، من خلال الإعلانات التي تذاع عشرات المرات وأكثر في التلفزيون. وهناك خطورة أخرى مفادها أن معظم هذه الإعلانات ترتكز على الترويج لمواد غير عالية الجودة، بالإضافة إل المشاهد غير اللائقة المصاحبة للإعلان، باستخدام الكرتون جنباً إلى جنب مع «الألفاظ غير المستحبة.

منى مدكور