مؤلف كتاب «البديع» هو عبدالله بن محمد بن المعتز بالله بن المتوكل الشاعر المبدع الخليفة ليوم واحد، ولد في بغداد سنة 247 هـ وأولع بالأدب، فكان يقصد فصحاء الأعراب ويأخذ عنهم، مات خنقاً على يد غلمان المقتدر، بعد أن بايعوه ليوم وليلة وذلك سنة 296ه، له ديوان شعر جميل في جزأين.
أما كتابه «البديع» فيعد من أول الكتب التي كتبت في البديع، ويعتبر ابن المعتز أول من استنبط فنون البديع وألّف فيها كتاباً، وأوصل فنون البديع إلى خمسة فنون هي: الاستعارة، التجنيس، والمطابقة، ورد إعجاز الكلام على ما تقدمها، والمذهب الكلامي.
من الكتاب: الباب الأول من البديع وهو الاستعارة:
قال عبدالله بن المعتز: قد قدّمنا في أبواب كتابنا هذا بعض ما وجدناه في القرآن الكريم وأحاديث رسول الله «ص» وكلام الصحابة والأعراب وغيرهم، وأشعار المتقدمين من الكلام الذي سمّاه المحدثون البديع، ليعلم أن بشاراً ومسلماً وأبا نواس، ومن سلك سبيلهم، لم يسبقوا إلى هذا الفن، ولكنه كثر في أشعارهم فعرف في زمانهم حتى سمي بهذا الاسم ثم إن «حبيب بن أوس الطائي» من بعدهم شغف به حتى غلب عليه فأحسن في بعض ذلك وأساء في بعض وتلك عقبى الإفراط وثمرة الإسراف.
من الكلام البديع قول الله تعالى: «وإنّه في أمّ الكتاب لدينا لعلي حكيم» ومن الشعر البديع قوله من البسيط.
«والصبح بالكوكب الدّري منحور»
وإنما هو استعارة الكلمة لشيء لم يعرف بها من شيء قد عرف بها. مثل أم الكتاب، ومثل جناح الذل، ومثل قول القائل: الفكرة مخ العمل، فلو كان قال لب العمل، لم يكن بديعاً.
ومن البديع التجنيس والمطابقة، وقد سبق إليهما المتقدمون ولم يبتكرها المحدثون.
من الاستعارة أيضاً: قول الله تعالى: (واشتعل الرأس شيباً)، وأيضاً قوله تعالى: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار).
ومن الحديث الشريف: قول «ص» (خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، كلّما سمع هيعة طار إليها).. وقوله «ص» ضموا ماشيتكم حتى تذهب فحمة العشاء، وقوله: إنا لا نقبل زبد المشركين أي رفدهم.. وقوله: ربّ تقبل توبتي واغسل حوبتي.
ومن كلام الصحابة قول علي كرّم الله وجهه في كتابه إلى ابن عباس وهو عامله على البصرة في بعض كلامه: أرغب راغبهم وأحلل عقد الخوف عنهم. وقول أبي بكر الصديق، رضي الله عنه: إن الملوك إذا ملك أحدهم، زهّده الله في ماله ورغّبه في مال غيره، وأشرب قلبه الإشفاق وهو يحسد على القليل ويسخط الكثير، جذُل الظاهر حزين الباطن، فإذا وجبت نفسه ونضب عمره وضحا ظلّه، حاسبه الله عز وجل فأشد حسابه، وأقل غفره، أراد من هذا نضب عمره.. وهو من الاستعارة.
ثم يقدم لنا أمثلة كثيرة من الشعر، ليضيء عالم الاستعارة بذلك.
