كلما توقفت مطبوعة غربية (مرموقة) عن الصدور الورقي ظهرت مقابلها عشرات المدونات العربية التي تتخذ من الشبكة الدولية ملعباً واسعاً للتعليق والنشر دون حسيب أو رقيب، وسرعان ما يصطف خلف تلك المدونة أو ذلك المنتدى المئات من الباحثين عن تزجية الوقت وقتل الملل والفراغ فيساندون فكرة أو ينبذونها أو يفّتون في شأن ديني ـ وهو أخطر ما في الأمر ـ ومن خلف الستار أو في الظلام تعلو الأصوات، ولكنها في ضوء الشمس تصمت أو تنام.
لقد انتشرت ثقافة التدوين بسرعة عجيبة بين شريحة واسعة من الشباب، وبات وجود مدونة عبر شبكة الانترنت متوافقا مع طموح الذين يحبون الحضور التقني من خلف الشاشة، كما بات صدى المدونات واسعا سياسيا وثقافيا، ولم يعد الأمر مقتصرا على جانب شخصي حيث بضع صور ومعلومات منتقاة منشورة على الموقع وحسب المزاج تزين المدونة بما يناسب توجه المدون جماليا، وبسهولة مطلقة يصبح هدف التدوين نشر ثقافة غوغائية بين جيل الشباب نظراً لجهل المدون بكثير من الأمور الدينية أو الأخلاقية أو الاجتماعية.
لكن لا تزال ثقافة التدوين عصية على الفهم العربي، البعض يخلط بينها وبين الرسائل النصية القادمة من عصر الهاتف والمحمول، والبعض يراها اهداءات تمر عبر شريط تحت أغنيات الفيديو كليب، وفريق يجد فيها متنفسا ليقول كتابة ما لا يستطيع قوله مجاهرة.
وغالباً ما يجرى تجاهل لأبسط قواعد الأخلاق ويتم التعامل مع المدونة من موقع الملكية الشخصية المطلقة يحق لصاحبها تجاوز القواعد على جميع المستويات، ليس أقلها اللغة، بل آلية البناء العامة للمواضيع والأفكار والتوجهات العقائدية والتي ينم معظمها عن حالة متوترة مشحونة تفرّغ على المدونة فتتحول من قيمة رأي إيجابية إلى قيمة سلبية قد تجر صاحبها إلى المساءلة!
عندما تتوقف مطبوعة مثل ريدرز دايجست عن الصدور رغم أن قاعدة قرائها تتجاوز الـ 138 مليون قارئ في 87 دولة لا يمكن القول إن العالم بخير إعلامياً، ولا يمكن القول إننا نتقدم وهم يتقهقرون، بل يمكن القول إنهم انتهوا من تبادل الشتائم والوقوف خلف المتاريس والتفتوا إلى بناء أوطانهم من الداخل، بينما ترانا نحول شبكة الانترنيت إلى وسيلة لشتم كل الذين لا نحبهم وعلى مبدأ «الأقربون أولى بالمعروف» نبدأ بمن يجاورنا من الأشخاص والأحياء والمدن والدول حتى انتهى بنا الحال إلى ما نحن عليه «سادة الغوغاء».
