لا شك أن دانييل بايوت، أستاذ علم الجمال في الجامعات الفرنسية، هو أحد أهم الأخصائيين الفرنسيين، بل والأوروبيين، بالفن الإفريقي. وبعد أن كان قد عاش تجربة الحياة في القارة السوداء لمدة 4 سنوات عاد وقدّم كتابا تحت عنوان «الفن الإفريقي بين الصمت والوعد».
الأطروحة الأساسية في هذا الكتاب تقول إن الحقبة الاستعمارية قامت بعملية «إبادة حقيقية للفن الإفريقي». أما النقطة التي ينطلق منها المؤلف فهي فيلم سينمائي وثائقي قصير كان قد قدّمه في عام 1953 المخرجان «الان رونيه» و«كريس باركر» تحت عنوان «وحتى التماثيل تموت». وبناء على ما جاء في هذا المؤلف يتم طرح الأسئلة التالية: ماذا بقي اليوم من الأطروحات التي تضمنها ذلك الفيلم الوثائقي؟
وسؤال آخر: ماذا بقي اليوم في الغرب الأوروبي وبعد ما يزيد عن 50 سنة على ذلك الفيلم، وعلى موجة الاستقلال التي اجتاحت القارة السوداء، من الفن الإفريقي؟ وكيف يتم التعامل اليوم مع «أشياء» ذلك الفن مثل الأقنعة والتماثيل؟ هل فقدت تلك الأشياء كلها حضورها؟
عنوان هذا الكتاب: «الفن الإفريقي بين الصمت والوعد»، يقول الكثير عن مضمونه كما يقدّم بعض الإجابة على الأسئلة السابقة المطروحة. ذلك أن «التماثيل الإفريقية قد ماتت، كما يبدو، مع الثقافة التي كانت قد وُلدت في أحضانها». لكن ذلك الموت «لم يكن موتا طبيعيا»، كما يشرح مؤلف هذا الكتاب، وإنما كانت نتيجة مباشرة للسلوكيات «البيضاء» ول«التدخل الأبيض في عالم لم يكن عالمه».
الأوروبيون لم يكونوا، بأغلبيتهم، يهتمون بالفن الإفريقي ولا بالتماثيل الإفريقية إلا في منظور «جمعها» كبعض موجودات «ديكور» منازلهم أو من أجل ممارسة التجارة. ومثل هذا الواقع أراد المؤلف «سبره»، خاصة بالطريقة التي يفهم فيها هؤلاء الأوروبيون، ولكن أيضاً الأفارقة أنفسهم «رسالة» هذه التماثيل والأقنعة.
وينقل المؤلف في هذا الكتاب مضمون تلك الحوارات التي دارت بينه وبين الطلبة الأفارقة وبين هؤلاء الطلبة أنفسهم في جامعة «اوغادوغو» التي مارس التدريس فيها لعدة سنوات. وكان موضوع تلك الحوارات هو التعليق على فيلم «حتى التماثيل تموت».
والنتائج التي يتوصل إليها المؤلف هو أنه لا الطلبة الأفارقة ولا الأوروبيون في القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين لا يستطيعون «سماع» الرسالة التي تحملها تلك التماثيل ـ الإفريقية- إلى العالم. ثم إن الثقافة اٍلأوروبية خاصة، والغربية عامة، عندما قامت ب«تملّك» تلك التماثيل إنما طمست ما تدل عليه من اختلاف.
لقد «حرفت الرسالة عن دلالاتها «الحقيقية» وقيل هذا عن «وظيفتها». ومثل هذا التحريف يجد فيه المؤلف تعبيرا عن الفهم الخاطئ المستبطن في الوعي التاريخي الأوروبي القائم على السيطرة العقلانية على العالم ودفع بالتالي إلى الاعتقاد أن «الكوني، اليونيفرسال» لا يعني أكثر من التشابه والتماثل مع ما هو قائم في الغرب.
هذا في الوقت الذي يؤكد فيه دانييل بايوت أن هذه التماثيل لا تستجيب «في عالمها» لأي رهان جمالي ولا تحمل أية دلالة سوى بالنسبة لأولئك المعنيين فيها أثناء الاحتفالات التي تكون مكرّسة لها.
وينقل المؤلف عن فيلم «حتى التماثيل تموت أيضا» عبارة عن لسان الأفارقة تقول: «عندما سنرحل سوف تذهب أشياؤنا إلى هناك حيث يتم إرسال أشياء العبيد، أي إلى المتحف». هكذا ومهما كانت درجة «القداسة» التي تحملها تلك الأشياء فإنها «ميتة» في متاحف الغرب. وميتة ويحيط فيها الصمت.
ويطالب المؤلف بضرورة اللجوء إلى النظر لهذه التماثيل بكثير من التأمل، وبرؤيتها في «أبعادها الثلاثة»، وليس عبر هذه النظرة «المتحضرة» لما لا يحمل سوى بعدا «بدائيا»، ذلك أنها تحمل الكثير من الدلالات «المجازية» ولا يمكن اختزالها إلى مجرد المواد التي تتألف منها، الخشب وغيره. وإذا كانت لا تقدم «حقائق كونية مجرّدة» فإنها تقدم مفهوما آخر للزمن التاريخي وللعلاقة التي تربط البشر فيما بينهم وفيما بينهم والعالم.
وفي إفريقيا اليوم، ورغم التخريب الكبير الذي قامت بها الحقبة الاستعمارية، لا يزال لهذه التماثيل دلالاتها الحية في ممارسات الأفارقة. لكن يؤكد المؤلف على ضرورة عدم الخلط بين هذه «الأشياء التي تحمل قدرا كبيراً من القداسة» وبين تلك «السلاسل الطويلة» من التماثيل المصنوعة في قوالب والمكرّسة للبيع بأبخس الأثمان لأفواج السائحين. أما التماثيل المحفوظة في المتاحف فهي «مصابة بالصمم».
أمّا «الوعد» الذي تحمله هذه التماثيل لأولئك الذين عرفوا كيف يتجاوزون الأحكام المسبقة التي تقوم إلى تبنّي مقولة أن «إفريقيا» لم تنخرط إلى درجة كافية في التاريخ»، فمفاده أن التقارب ممكن بين البشر فيما يشكّل سمة كونية مشتركة بين الجميع وهي أن البشر ضعفاء ومصيرهم الفناء. و«ليس هناك قطيعة بين الحضارة الإفريقية وحضارتنا»، كما ينقل المؤلف عن الفيلم ويضيف: «إذا كنّا من السود أو من البيض، فمستقبلنا هو في هذا الوعد».
الكتاب: الفن الإفريقي بين الصمت والوعد
تأليف: دانييل بايوت
الناشر: سيرسي ـ باريس ـ 2009
الصفحات: 158 صفحة
القطع: المتوسط
