«غوغل ليس العدو، بل غوغل هو مفتاح فهم الاقتصاد الجديد وأبعد من هذا مفتاح فهم العالم الجديد الذي ينفتح أكثر فأكثر»، هذا ما يؤكده مؤلف الكتاب منذ البداية.
ويؤكد المؤلف أن مؤسسة «غوغل» هي المؤسسة الكبرى الوحيدة التي لم تتأثر بالأزمة الاقتصادية العالمية التي انطلقت من الولايات المتحدة في خريف عام 2008، كما أنها المؤسسة الوحيدة التي تعرف خطا بيانيا متصاعدا من حيث ما تحققه من نمو بالقياس إلى المؤسسات الأخرى. إن مصدر القوة والتميّز الحقيقي يحدده المؤلف في «سياسة التجديد» التي تبنّاها المسؤولون عن «غوغل» منذ البداية. لقد تبنّت طريقة «جديدة راديكاليا»، بل و«طريقة فريدة من نوعها».
والسؤال الجوهري الذي يطرحه المؤلف هو التالي: ماذا ستفعل غوغل لو أنها طبّقت نفس الطريقة على قطاعات أخرى؟ القطاعات الأخرى التي يقصدها المؤلف هي تلك التي تتعلق بحقل الإعلام والطاقة وصناعة السيارات والخدمات والمطاعم وغيرها.
ويذهب المؤلف أبعد حيث يتحدث عن نشاطات أخرى قد تحمل عنوان «غوغل» مثل «مقهى غوغل» و«كولا غوغل» ومستشفى غوغل»، ولماذا ليس «جامعة غوغل»، كما يقول. ويمكن لمحتويات هذا الكتاب أن تعطي فكرة عن المواضيع المتنوعة التي يتطرق إليها. هكذا يبدأ بالحديث عن «قوانين غوغل» ثم ينتقل إلى «العلاقات المتجددة» كي يؤكد مباشرة بعد ذلك: «زبونك هو صديقك الأفضل». ويكرس المؤلف قسما كاملا في الكتاب للحديث عما يسميه «الاقتصاد الجديد».
تعبير «الجديد» قد يكون هو الأكثر استخداما في هذا الكتاب. ذلك على أساس أن مفهوم «غوغل» نفسه هو يعبّر عن الجديد وعن التجديد. هكذا يتحدث المؤلف عن «أشكال السلوك الجديدة» و«الأخلاق الجديدة» و«المنظمات الجديدة» و«الإيقاع الجديد» و«التوزيع الجديد»... و«المؤسسة الجديدة».
أما القسم الثالث والأخير في هذا الكتاب فإنه يحمل كعنوان السؤال التالي: ماذا لو سيطرت ذهنية «غوغل» على العالم؟ وهنا يتعرض المؤلف بالتفصيل للعديد من القطاعات التي يرى أنها سوف تعرف بالتأكيد ثورة حقيقية لو طبّقت «قوانين غوغل». وأول هذه القطاعات الإعلام حيث سوف يسود وجود «صحف بلا ورق» إذا جرى تعميم التجربة التي تبنّتها مؤسسات عديدة حتى الآن. ونفس الثورة في قطاعات الإعلان والتوزيع والطاقة والخدمات والصحة العامة. في هذه الحالات كلها لا يمكن لاستخدام شبكة الانترنت من أن يؤدي إلى «تبدلات شاملة»، كما يؤكّد جيف جافريس، مؤلف هذا الكتاب.
وكمثال يركّز عليه كثيرا هناك الدور الذي يمكن أن تلعبه «قوانين غوغل» في الاقتصاد الجديد، أو «الاقتصاد الرقمي»، كما نقرأ. البرهان على هذا يتمثل في كون أن الأزمة المالية العالمية الراهنة مسّت جميع قطاعات النشاط الاقتصادي وجميع المؤسسات في مختلف أصقاع الأرض. لكن مؤسسة «غوغل» سجّلت في السنة الأخيرة «نموا اقتصاديا» بنسبة 26 بالمائة.
وأمام مثل هذه النتيجة لم تتردد صحيفة أميركية مرموقة مثل «النيويورك تايمز» في أن تختار أحد عناوينها الرئيسية بالجملة التالية: «غوغل تتحدّى الاقتصاد». مؤلف هذا الكتاب يرى أنه كان ينبغي على الصحيفة أن تجعل عنوانها: «غوغل تعرّف الاقتصاد»، وذلك عبر اللعب على التقارب بين لفظ فعلي «تحدّى» و«عرّف» في اللغة الانجليزية.
أمام هذه الأزمة المالية انهارت البنوك ومجموعات مالية وصناديق سيادية ووصل الخلل إلى مختلف مفاصل الاقتصاد العالمي. لكن بالمقابل كانت الأزمة عاملا في «بزوغ مجرد اقتصاد جديد» تمثله أفضل تمثيل مؤسسة «غوغل». إنها تتماشى مع «النظام العالمي الوليد».
لكن غوغل لا تقوم أصلا على مبدأ تطوير نشاطاتها وتوسيعها عبر اقتراض المال من أجل شراء شركات. ولكنها قامت بدلا من ذلك بخلق شبكة ترمي إلى الوصول لمعلنين جدد. بتعبير آخر إن غوغل لا تسعى إلى امتلاك رؤوس الأموال التي قامت عليها إمبراطوريتها.
ويرى المؤلف أنه ينبغي على مختلف المجموعات والشركات أن تقيم «شبكاتها» كي «تؤمّن «بيع» منتجاتها من سلع وخدمات عبر «الكتلة» التي تتوجّه إليها. هذا إلى جانب التأكيد على «الشفافية». هذه «الشفافية» يعتبرها المؤلف إحدى سمات عمل «غوغل» رغم أنها «تبقى كتيمة» فيما يتعلق بتفاصيل طريقتها ب«عقد الصفقات». و«الشفافية» هي أيضاً «مطلب الزبائن والمواطنين» بعد أن ظهرت نتائج السرية التي أحاطت ب«رؤوس الأموال السامّة» التي كانت وراء نشوب الأزمة المالية الراهنة.
ومن الأوراق الرابحة الهامة التي تمتلك عليها غوغل هو أن «الشراة» بدؤوا يدركون أن «العلاقات المباشرة عبر شبكة الانترنت» تمثل وسيلة لتقليص نفقات الإعلان. المهم أن تقوم علاقات ثقة بين الشركات وزبائنها الذين «يمثلون أفضل الأصدقاء»، كما جاء في عنوان أحد فصول الكتاب.
باختصار «غدت الثقة هي القاعدة الأساسية بالنسبة لعالم الأعمال الجديد. وأنظمة «البيع والإعلان» المختلفة مثل «أمازون» وغيرها تقيم «علاقات ثقة» بين الزبائن ومؤسسات الإنتاج أو التوزيع أو حتى مع مجرد التجار.
وما يؤكده المؤلف في المحصلة هو أن «الاقتصاد الجديد» الذي يشكل القاعدة الحقيقية لنجاح غوغل، يمكن تطبيقه وجني امتيازاته في الصناعات الأخرى. ويمثل هذا الكتاب في أحد وجوهه «بيانا للتجديد» وللمطالبة بإعادة النظر والتأمل في مختلف نشاطاتنا ومختلف مفاهيمنا عن المؤسسات والنشاطات وآليات عملها. وذلك بهدف البقاء، بل والازدهار، في «عصر الانترنت».
و«غوغل هي المثال والقدوة»، كما يمكن تلخيص رسالة هذا الكتاب الذي يجد مكانه في رأس قائمة الكتب الأكثر انتشارا في أميركا منذ صدوره في مطلع عام 2009.
الكتاب: ماذا يمكن أن تفعله غوغل
تأليف: جيف جافريس
الناشر: كولينز- نيويورك- 2009
الصفحات: 272 صفحة
القطع: المتوسط
What would Google do?
Jeff Jarvis
Collins ? New York - 2009
. P
