يعود المؤرخ والأستاذ الجامعي البريطاني ايان كيرشو، وأحد أهم الأخصائيين الدوليين بتاريخ النازية، إلى الاهتمام من جديد بإحدى صفحات الحرب العالمية الثانية في كتابه الذي يحمل عنوان: «الخيارات المصيرية: عشرة قرارات غيّرت العالم 1940- 1941».

إن القرارات العشرة التي يقصدها المؤلف كان قد اتخذها هتلر وستالين وروزفلت وتشرشل والأميرال توجو وغيرهم خلال الفترة الواقعة بين شهر مايو 1940 وشهر ديسمبر 1941. ولا يتردد المؤلف ولا يتردد المؤلف في القول أن القرارات المعنيّة التي اتخذها الطرفان المتحاربان، أي المحور والحلفاء، هي التي حددت المسار الذي آلت إليه تلك الحرب. وهو يدرس في هذا الكتاب تحديدا الظروف التي جرى فيها اتخاذ تلك القرارات كما يدرس الأسباب التي جعلت أصحاب القرار السياسي آنذاك «وضع قرارات أخرى جانبا» مع أنها كان يمكن أن تؤدي إلى حلول بديلة.

بل ويذهب المؤلف إلى القول أن تلك القرارات لم يكن لها أثرها الحاسم على مسار ذلك النزاع الكوني، ولكن أيضاً كان لها دورها في صياغة فترة ما بعد الحرب، أي صياغة التاريخ الذي نعيشه الآن. نقرأ أن «تلك القرارات التي اتخذها قادة القوى الكبرى خلال فترة 19 شهرا فقط حددت إلى درجة كبيرة المسار المستقبلي للأحداث، وليس فقط نتيجة الحرب العالمية الثانية ولكن أيضاً شكل ما بعد الحرب».

ولا يتردد المؤلف في القول أيضاً انه لو لم يتم تعيين ونستون تشرشل رئيساً لوزراء بريطانيا فإن حكومة صاحبة العرش كانت ستتطلب ما بين 25 و28 مايو-أيار سلاما منفصلا مع ألمانيا النازية. وكان القرار الأول من القرارات العشرة هو قرار تشرشل متابعة الحرب رغم أن الجيش الانجليزي كان محاصرا في منطقة دنكرك بشمال فرنسا وكانت هناك كارثة تلوح في الأفق.

يرى المؤلف أن قرار تشرشل قام على أساس فهمه أن الجلوس حول طاولة المفاوضات مع هتلر كان يعني الانصياع إلى الشروط التي سيفرضها الألمان. وبالتالي كان السلام «المحتمل» معناه الاستسلام وخيانة المبادئ التي تقاتل بلاده من أجلها. لذلك رأى أن قرار متابعة الحرب، ولو كان ثمن ذلك هو الهزيمة، هو القرار الأفضل وأنه سيرفع معنويات الانجليز. ثم كان يعتقد ولا شك أن الأميركيين سوف يأتون لنجدة الانجليز.

وفي صيف عام 1940، وتحديدا في شهر يوليو ، قرر هتلر شن هجوم على الاتحاد السوفييتي «السابق» مما رآه البعض ضربا من الجنون وحتى من بين ضباطه أنفسهم. لكن هتلر، وبعض ضباطه الآخرين، كانوا يعتقدون بإمكانية تحقيق انتصار سريع على السوفييت الذين كانت بدت عليهم مظاهر ضعف عسكري واضحة أثناء «حرب الشتاء» ضد فنلندة. كما أن قرار الهجوم على الاتحاد السوفييتي كان تعبيرا عن فكرة عاشت في رأس هتلر منذ سنوات العشرينات.

كذلك يرى المؤلف-المؤرخ أن قرار هتلر كان وراءه أسباب إستراتيجية. ذلك أنه في الوقت الذي لم يكن قد نجح فيه بإنهاء الحرب لصالحه في غرب أوروبا كان يريد أن يفرض سيطرته على القارة كلها قبل أن يكون لدى الولايات المتحدة الوقت للتدخل في الحرب.

والقرار الثالث كان ذلك الذي اتخذه موسوليني بتاريخ 26 أكتوبر 1940 ب إعلان شن الحرب على اليونان، وذلك ضد رأي حليفه الألماني ادولف هتلر الذي كان يريد توجيه الجهد الحربي الأكبر ضد القوات الانجليزية المتواجدة في شمال إفريقيا التي كانت في وضع صعب.

كان موسوليني، كما يرى المؤلف، يسعى إلى إقامة «إمبراطوريته» في حوض البحر المتوسط ولا يكتفي «بالدور الثاني» بعد هتلر خاصة ان الفوهرر كان قد أرسل قواته لغزو رومانيا دون استشارته وحيث من المفروض أن تكون رومانيا في «مجال النفوذ الإيطالي». هكذا أراد موسوليني أن يؤكد على «استقلاله» في اتخاذ القرارات.

لكن حملة موسوليني على اليونان انتهت إلى فشل كبير مما اضطر الألمان للتدخل وتأجيل الهجوم على الاتحاد السوفييتي شهر كامل. ومع اضطرار موسوليني لسحب قواته من يصر وإفساح المجال «حرّا» أمام الانجليز، كانت حربه ضد اليونان «بداية لنهايته». وقد وضع بذلك «ثمن غروره» كما يؤكد ايان كيرشو.

والقرارات الأخرى التي «غيّرت العالم» خلال الفترة المعنية يحددها المؤلف في قرار طوكيو خلال شهر سبتمبر 1940 الانضمام إلى الميثاق الثلاثي واتخاذها قرار احتلال الهند الصينية «الفرنسية». وكان ذلك القرار قد أثار حفيظة الأميركيين الذي قرروا حظر تصدير الحديد إلى اليابان.

وكان هناك قرار ياباني آخر لاحق بتاريخ 7 ديسمبر 1941 عندما أطلقت اليابان طائراتها للقيام بغارة على القاعدة العسكرية الأميركية في جزيرة «بيرل هاربور» لردّ الأميركيون ب إعلان الحرب على اليابان. ويرى المؤلف أنه رغم إدراك اليابانيين أن الهزيمة تنتظرهم فإنه لم يكن لديهم أي خيار آخر بعد أن كان الأميركيون قد قرروا قطع طرق تزويدهم بالبترول. كان الخيار الوحيد أمام اليابانيين هو الخضوع ل«النير الأميركي» أو «محاولة تدمير» الولايات المتحدة، وقرروا أن «المخاطرة» أفضل من قبول الذل».

الكتاب: الخيارات المصيرية، عشرة قرارات غيّرت العالم 1940-1941

تأليف: ايان كيرشو

الناشر: بنغوان برس ـ لندن ـ 2008

الصفحات: 624 صفحة

القطع: المتوسط