سمع الجميع وشاهد مئات الملايين على شاشات التلفزة ذلك المنظر الشهير الذي عرفته ساحة تياننمان في بكين ليلة 3 إلى 4 يونيو من عام 1989. كان حشد من الشباب الصينيين يتظاهرون في تلك الساحة للمطالبة بقدر أكبر من الحريّات العامة في بلادهم. انتهت تلك المظاهرة بحمام من الدم عندما قامت الدبابات بسحق العديد من أولئك المتظاهرين. ولا يزال ذلك الحدث بعد مرور عقدين من الزمن طريّا في الذاكرة. وهو الموضوع الذي يكرّس له مؤلفا كتاب: «الصين، لا يمكن إطفاء النور» عملهما المشترك.

ينطلق المؤلفان من ذلك الحدث الشهير في ساحة تياننمان في مطلع شهر يونيو 1989 في بكين. ويعود المؤلفان إلى نصٍ أول كانا قد أعدّاه عام 1996، كي يقدما عملا جديدا يلقي الضوء أكثر على مسار التطور الذي عرفته «إمبراطورية الوسط»، كما يُطلق على الصين، خلال العشرين سنة الماضية مع محاولة استقراء سبل المستقبل. وهما يعتمدان على العديد من الشهادات والمعلومات التي استجدت خلال الفترة الأخيرة.ولعلّ أهم ما يميّز هذا العمل بالقياس إلى سلسلة الكتب الطويلة التي عرفتها رفوف المكتبات الغربية عن الصين، هو أن مؤلفيه يتعرضان إلى دراسة حالات عيانية لشخصيات صينية أكّدت، بشجاعة، أنها مستعدة لتقديم التضحيات من أجل زيادة هامش الحرية في بلادها. وعلى رأس هذه الشخصيات «واي يانغ شينغ» الذي أصبح أحد أشهر رموز المعارضة الديمقراطية في الصين، بالإضافة إلى مجموعة من الشخصيات التي لم يسمع بها الكثير في الخارج.

وإذا كان مؤلفا هذا الكتاب يؤكّدان على حقيقة النمو الاقتصادي الصيني والنهوض الكبير الذي حققته في مختلف الميادين، الأمر الذي شهدت عليه بوضوح التظاهرة الكبرى التي شكّلها تنظيم الألعاب الأولمبية في بكين خلال صيف 2008 فإنهما، أي المؤلفين، يؤكدان على شجاعة الشعب الصيني الذي لا يزال يخضع سياسيا لسلطة الحزب الشيوعي الصيني.

هذا مع محاولة تقديم البراهين على أن أولئك الذين يسيطرون على مقاليد الحكم يسعون إلى تحقيق هدف واحد هو الاستمرار على رأس السلطة في الصين و«الباقي مجرّد تفاصيل». ويؤكد المؤلفان أن ما يسعى إليه القائمون على السلطة هو أن يحذفوا من التاريخ ومن الذاكرة الجماعية ذكرى أحداث تياننمان، وليس ذكراها فقط ولكن أيضاً وخاصة، حذف دلالاتها.

الموضوع الأساسي لهذا الكتاب عن الصين هو بالتحديد تقديم سيرة حياة ونضال مجموعة من البشر عاشوا تجارب شخصية خاصة على خلفية هموم يمكن أن تجد صداها لدى جميع البشر. فهذه التجارب هي التي تهمّ المؤلفين وليس تقديم كتاب نظري أو تحليلي على غرار الجامعيين والأكاديميين أو كتاب زاخر بالإحصائيات كما يفعل الاقتصاديون، وكذلك يتم الابتعاد في هذا الكتاب عن «المقارنات» مع التجارب الغربية، فلكل شعب تجربته.

ومن خلال مجموعة التجارب العيانية التي يتم التعرّض لها على صفحات هذا الكتاب التي يقارب عددها ال400 صفحة، يقدّم المؤلفان توصيفا لآليات عمل السلطة في الصين، من وجهة نظرهما، ويؤكدان على أن السمة الأساسية لها في أن تلجأ إلى ممارسات استبدادية «دون أية رحمة» من أجل كبح نشاطات «المتهورين» و«الجانحين» وأولئك الذين يقترفون «جرائم ضد أمن الدولة».

ويتعرّض المؤلفان في أحد فصول الكتاب إلى الدور الذي تلعبه «أجهزة الدعاية» الفعّالة التي تجيد إلى حد كبير إثارة مشاعر الخوف لدى الصينيين. كما تحسن «الآلة الدعائية» اللعب على ورقة المصالح التجارية واستخدام جميع المشاعر بحيث يغدو من الصعب على البلدان الديمقراطية تقديم إجابات متناسقة على الأطروحات الصينية.

كما أن الصين قد نجحت إلى حد كبير في استغلال الأزمة المالية العالمية الراهنة من أجل أن تخمد أصوات المعترضين على سياساتها، فالرّدع الاقتصادي يشكل سلاحا فاعلا. هكذا يجري ما يشبه «صفقة» بين الصين والبلدان الديمقراطية الغربية التي «تغمض عينيها» عن كل أشكال خرق حقوق الإنسان عندما تبرز «مصلحة الدولة».

وليس هناك من يجهل، كما يقول المؤلفان، ماذا يمكن أن يكون ثمن قول «لا» في الصين، لكن قادة العالم الديمقراطي يتظاهرون ب«تجاهل» ذلك. مع ذلك ما يؤكده المؤلفان، بالاعتماد على شهادات عديدة وعلى تحقيقات وملاحظات ميدانية، هو أن الحديث بدأ يعود قويا إلى الشارع الصيني حول أحداث ساحة تياننمان. هذا رغم أن الأجيال الصينية الشابة تكاد لا تعرف شيئا عمّا جرى في تلك الساحة قبل عقدين من الزمن.

وما يحاول أن يكرره المؤلفان باستمرار هو أن النمو الاقتصادي الصيني الكبير يصبّ غاليا في مصلحة شريحة قليلة من الصينيين بينما لا تجني منه غالبية الشعب الشيء الكثير، فالصين لا تزال هي بلاد عدة مئات من البشر الذين يعيشون دون عتبة الفقر. هؤلاء الجميع الفئة التي تحلم بالحرية وهي التي يرفض بعض أفرادها السكوت، وهم بالتحديد الذين يكرّس لهم مؤلفا هذا العمل كتابهما. ش

لكتاب: الصين.. لا يمكن إطفاء النور

تأليف: ماري هولزمان، نويل مامير

الناشر: جان كلود غوزافيتش ـ باريس ـ 2009

الصفحات: 375 صفحة

القطع: المتوسط

Chine, on ne bâillonne pas la lumière

Marie Holzmann, Noël Mamere

Jean Claude Gawsevitch ? Paris - 2009

. P