الحقيقة الأساسية المتعلقة بالأدب الأميركي كما يكتب وينشر اليوم هي أن الأصيل والرائع والإنساني فيه لا وجود له، تماماً كثياب الإمبراطور، غير أنه ما من أحد يملك الجرأة والجسارة ليقول هذا ويعلنه على رؤوس الأشهاد في ورش العمل والندوات والمؤتمرات التي لا حصر لها التي تعقد حول تطور الأدب العالمي المعاصر.
وهذه الحقيقة تضرب جذورها بصلابة في حقيقة أشد رسوخاً، وهي أن الجوهر الصلب لتقاليد الواقعية الأميركية، التقليدية والحديثة على السواء يزداد تقلصاً كل يوم.
ولعله بمقدورنا تتبع الخط الممتد من ميلغيل إلى ستيفن كرين عبور على جسر من إبداع فلانرى أوكونور ودون ديليو، لنجد أننا أمام قبضة لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة من المبدعين الأميركيين الذين يقدمون أدباً يستحق الاهتمام.
الحقيقة الصارخة وسط هذا كله أننا أمام الإمكانيات الهائلة لصناعة النشر الأميركية، القادرة على إحداث جعجعة هائلة، ولكن ما من أحد يرى طحناً وسط هذا كله.
ترى هل من قبيل الصدفة أن مبدعين أميركيين عظاماً مثل ريموند كارفر وريتشارد فور كانوا حتى سنوات قلائل لا يجدون من يطبع أعمالهم في أميركا فيضطرون إما لطباعتها في دور نشر أميركية صغيرة، أو في دور نشر بريطانية؟
أياً كان الأمر، فإنه إلى الأقلية المحدودة من الأدباء الأميركيين الذين يستحقون الاهتمام اليوم ينتمي الروائي والشاعر والكاتب المسرحي دينس جونسون، الذي حاز باقتدار على جائزة الكتاب الوطني عن روايته الملحمية الصادرة عام 2007 بعنوان «شجرة الدخان» عن التجربة الفيتنامية.
الذين أحبوا هذه الرواية المدهشة، التي تقع في أكثر من 600 صفحة ربما شعروا بما يشبه الصدمة حيال رواية جونسون الجديدة الصادرة مؤخراً بعنوان «لا يتحركن أحد!».
هنا يبرز سؤال مهم: لماذا الشعور بالصدمة حيال هذه الرواية الجديدة؟
من حيث الشكل يرجع الشعور بالصدمة لأن كاتباً عظيماً مثل جونسون أصدر روايته هذه مسلسلة عبر أربع حلقات على صفحات مجلة «بلاي بوي»، وهي مجلة لم تعرف يوماً بحماسها لأدب الأصيل.
ومن حيث المضمون، يرجع الشعور بالصدمة لأن رواية «لا يتحركن أحد» التي تقع في 196 صفحة تنتمي إلى ما يمكن وصفه بأدب الجريمة الشعبي، الذي ينتمي إلى أدب الروايات الخفيفة التي يقصد بها التسلية، وهي أبعد ما تكون عن تقاليد الواقعية الأميركية العظيمة التي تنتمي إلى كتابات سابقة لدنيس جونسون.
هذا هو على وجه الدقة ما دفع بعض النقاد إلى القول إن «لا يتحركن أحد!» ليست إلا نتاجاً جانبياً كتب على هامش «شجرة الدخان» وتلبية لارتباط بموعد زمني نهائي بين الوكيل الأدبي لجونسون وبين المجلة الأميركية.
ربما مرة أخرى سنجد بصمة صناعة النشر الأميركية ترتسم على هذا العمل، كدليل إدانة في جريمة. أو على الأقل هذا ما يحدثنا به بعض النقاد الأميركيين الذين تحمسوا بشدة من قبل لـ «شجرة الدخان».
وبغض النظر عن صحة هذا التقييم للرواية من عدمه، فإننا لا نملك إلا أن نتوقف عند البؤرة الضيقة بشكل ملحوظ لهذه الرواية الجديدة، التي تحدثنا عن محنة بطلها جيمي لونتز، الذي يعمل مغنياً في فرقة غنائية متواضعة، ويبدو لنا مدمناً على القمار إلى حد لا يتردد معه في وضع نفسه تحت طائلة محترفي الربا الذين يشبهون تقليدياً بأسماك القرش أو الحيتان.
والواقع أن لونتز يضطر إلى الهرب من دائنيه، وعلى وجه التحديد من إرنست جامبول المكلف بتحصيل الديون منه، وترافقه في هربه الحسناء أنيتا ديزيلفيرا التي تهرب بدورها من قضية ورطها فيها زوجها وكيل النائب العام، الذي اتهمها باختلاس 3,2 مليون دولار، بينما وضع هو يده على المبلغ.
يطلق لونتز النار على جامبول ويلوذ بالهرب في أرجاء كاليفورنيا، ويطارده قدر يبدو منذ الوهلة الأولى محتوماً.
وهكذا تمر حبكة هذه الرواية المسلية لهواة هذه النوعية من الأعمال المنتمية إلى أدب الجريمة الشعبي بالمال والجنس والجريمة والأحداث السريعة المتوالية، وتتابع لونتز وديزيلفيرا في هربهما ومحاولاتهما المستميتة للبقاء على قيد الحياة في غرف الفنادق الرخيصة على امتداد بلدات كاليفورنيا القابعة في أحضان المجهول.
ولا يملك المرء إلا أن يلمح استمتاع جونسون بالكتابة تحت ضغوط المواعيد النهائية لتسليم الأجزاء الأربعة التي قسم إليها روايته هذه، حيث يبقي الرواية بعيدة عن الترهل إلى حد الاكتفاء بالعظم، ويبقى عباراتها وجملها في الحد الأدنى الضروري للتكامل الأدبي، تماماً على نحو ما فعل في نثر «شجرة الدخان» البديع.
والفقرات الوصفية من الرواية، على الرغم من قلتها وبنائها، تفصح عن التمكن الشعري العظيم لدى جونسون من أدواته.
أنظر، على سبيل المثال، ذلك المقطع الذي يبدو فيه القاضي الفاسد الذي يشارك زوج ديزيلفيرا في إحكام التآمر عليها، حيث يكتب جونسون قائلاً: «حتى في مقعده المتحرك، أعطى الرجال انطباعاً بالشموخ، الذي كرست بعضه تسريحة شعره، الذي يبدو متألقاً، فضياً ومرجلاً، وهو ما لم يكن عليه في حقيقة الأمر، فيما تشابكت أصابع جامبول فيه، وهو يجتذب رأس الرجل إلى الوراء في المقعد المتحرك للحيلولة بينه وبين إصلاح أزرار قميصه».
وعلى الرغم من براعة المؤلف، التي لا موضع للتشكيك فيها بحال، فإن عيوب الرواية الجديدة تظل، طوال الوقت، ماثلة أمام أعيننا، لا نملك أن نتجاهلها أو نغفل عنها، ربما لوضوحها الذي يحول بيننا وبين ذلك.
ربما يلفت الأنظار من بين عيوب الرواية أن الشخصيات النسائية تهدد في مواضع كثيرة منها بأن تتحول إلى مجرد أشباح لا تفعل شيئاً إلا إرضاء الرغبات الحسية للرجال، على نحو يبدو أكثر طواعية مما يمكن تصوره، وبتعبير آخر فإنها تدرج في إطار الكليشيهات التقليدية المتعلقة بالجنوسة، وتتحول إلى ما يقرب من الشرارات التي لا غاية لها إلا إبقاء النار مشتعلة وإضافة المزيد من الطرافة والمرح والعمل إلى دفعنا إلى ما نعرف خير المعرفة أنه نهاية دموية، وعلى الرغم من ذلك فإن هذه الشخصيات تتسم بالكفاءة في بعد واحد هو دفعنا إلى مواصلة قراءة الرواية، والتفكير في أن أحدهم سيقدر له في نهاية المطاف البقاء على قيد الحياة، ونحن نعلق الأمل على أن من سيقدر لهم البقاء سيكونون من الأخيار.
وعيوب الرواية تتوالى، كما هي الحال في روايات الجريمة الشعبية الأميركية تقليدياً. فالقارئ لا يمكن إلا أن يلاحظ أن ظروف جريمة ديزيلفيرا مكتوبة بشكل تقريبي، في أفضل الأحوال، وتبدو لنا دوافعها مرتكبة وتفتقر إلى الحد الأدنى من التوتر.
وبالمقارنة بذلك فإن موقف لونتز يبدو أكثر دقة في تشكيله لكنه هو بدوره يفتقر إلى الوضوح.
ويبدو لنا واضحاً أن اهتمام جونسون بالحبكة يقل كثيراً عن اهتمامه برسم الشخصيات والحركة، ولكنه يترك الكثير في الرواية أقرب إلى العظام العارية التي تكتسي باللحم والتفاصيل التي تجعل الحياة تتدفق فيها.
وعلى الرغم من هذا كله، فإن هذه الرواية تظل عملاً مسلياً وجديراً بالقراءة لمن يهتمون بأدب الجريمة الشعبي والخفيف. أما محاولة مقارنتها برائعة جونسون الملحمية «شجرة الدخان» فهي لا يمكن إلا أن تكون مقارنة ظالمة وبعيدة عن الإنصاف بكل المعايير.
وربما لا نجافي الصواب كثيراً، في هذا الصدد، إذا قلنا إن الكاتب ديفيد مينر قد أصاب كبد الحقيقة، حينما قال في مقال مطول بعنوان «طريق المسدس» حول هذه الرواية الجديدة إنه إذا كانت «شجرة الدخان» بمثابة لوحة «الجرنيكا» لبيكاسو فإن «لا يتحركن أحد!» أقرب إلى لوحة «علبة الحساء» لأندي وارول، وهي لوحة متألقة تنتمي إلى عالم « البوب آرت»، وأريد بها أن تفهم ويتم الاستمتاع بها بصورة فورية، لا غير.
الكتاب: لا يتحركن أحد
تأليف: دنيس جونسون
الناشر: فارا، شتراوس أندجيروكس، نيويورك، 2009
الصفحات: 196 صفحة
القطع: المتوسط
Nabody Move
Denis Johnson
Farrar, Straus and Giroux, N.Y., 2009
5
