في كتابه الجديد «إدارة الاستراتيجية في المنظمة العقائدية» قام الباحث اللبناني أسامة عجاج المهتار في سابقة قد تكون الأولى من نوعها، قام بتطبيق منهج ومفاهيم علم التخطيط الاستراتيجي الحديث لتحليل نشأة وتطور الحزب السوري القومي الاجتماعي، وقراءة منطلقاته النظرية التي وضعها مؤسسه الراحل أنطون سعادة، وذلك من أجل تحديد مواضع الخلل التي أدت إلى إخفاق الحزب في بلوغ غايته رغم مرور سبع وسبعين سنة على تاريخ قيامه عام 1932 ما جعله أحد أول المنظمات العقائدية في العالم العربي.
منذ التمهيد أكد المؤلّف على أن المنظمة العقائدية تختلف عن سواها في أنها ترتكز على ثلاث دعائم أساسية، هي: الالتزام بعقيدة واضحة تهدف إلى تحسين الحياة، تنطلق منها لتحقيق غاية معينة وفق نظام أخلاقي صارم، وإن قيادة هذه الحركات وإيصالها إلى غايتها عملية معقدة تحتاج إلى إطار سليم لإدارة استراتيجيتها، وإلى قيادة حكيمة ومحنكة تحسن استخدام هذا الإطار، وإن مقياس نجاح المنظمات العقائدية هو مدى نجاحها في تحقيق غايتها، ولا مقياس سواه.
وبعد ذلك جاء الكتاب في أربعة أقسام، الأول بعنوان «علم التخطيط الاستراتيجي» وهو قسم نظري فيه شرح للمصطلحات والمنطلقات التي ستتم من خلالها معالجة الأقسام الأخرى، والثاني بعنوان «انطون سعادة والاستراتيجيا» وفيه ثلاثة فصول تدرس الأسس التي اعتمدها سعادة لإطلاق الحزب وتحديد غايته وخطته، والقسم الثالث «إطار إدارة الاستراتيجية» فيه أربعة فصول عن الإطار الذي وضعه سعادة لإدارة استراتيجيته، وأبرز المشاكل التي واجهته، أما القسم الرابع «كي لا تزول ويتبدد أتباعها فقد تناول وضع الحزب الحالي، ونماذج عن الإشكالات التي يعاني منها، وتصورات للخروج من مأزقه.
تبدأ التعريفات من كلمة «استراتيجية» وهي: الخيارات التي تنتقيها المؤسسة وتركّز عليها لتحقيق غايتها وتعزيز نظرتها، ثم تنتقل إلى «التخطيط الاستراتيجي» وهو: نظام العمليات التي تتبعه المؤسسة في وضع نظامها الاستراتيجي وخطتها الاستراتيجية وإطار إدارتها (ص19)، أما الأساس الاستراتيجي فهو الذي يتضمن نظرة المؤسسة وغايتها وقيمها وموضع تميزها الاستراتيجي.
كما أوضح المؤلّف أدوات التخطيط الاستراتيجي ومكوناته، بدءا من مسح البيئة، أي تحديد المحفّزات والمعوّقات، ثم تحديد أصحاب الشأن، أو كل من له علاقة بمخرجات عمل المؤسسة، فالعملاء وهم المستفيدين، وصولا إلى إقرار الموضوعات الاستراتيجية ووضع المبادرات والمشاريع الداعمة لها، بحيث لا تكون هناك أهداف أو مشاريع يتيمة لا تلتقي بغاية المؤسسة ونظرتها، أما الإدارة فهي استخدام المؤسسة لجميع مواردها وطاقاتها، لتحقيق غاياتها بأكثر فاعلية وأقل كلفة.
استنادا إلى المقدمات النظرية السابقة فقد رأى الباحث أن نظرة الحزب السوري القومي الاجتماعي يمكن اختصارها بالعبارة التالية «حياة أجود في عالم أجمل وقيم أعليس، وغاية الحزب هي «بعث نهضة سورية قومية اجتماعية، تكفل تحقيق مبادئه، وتعيد إلى الأمة السورية حيويتها وقوتها، وتنظيم حركة تؤدي إلى استقلال الأمة استقلالا تاما، وتثبيت سيادتها وإقامة نظام جديد يؤمن مصالحها ويرفع مستوى حياتها، والسعي لإنشاء جبهة عربية».
وحسب منظور أنطون سعادة فإن حدود الأمة السورية تمتد من جبال طوروس في الشمال الغربي، وجبال البختياري في الشمال الشرقي إلى قناة السويس والبحر الأحمر في الجنوب شاملة شبه جزيرة سيناء وخليج العقبة، ومن البحر السوري في الغرب شاملة جزيرة قبرص، إلى قوس الصحراء العربية والخليج العربي في الشرق.
ويعبر عنها بلفظ عام «الهلال السوري الخصيب» ونجمته جزيرة قبرص، والأمة السورية هي إحدى أمم العالم العربي الأربع: سوريا الطبيعية، العربة (شبه الجزيرة العربية) وادي النيل (مصر والسودان) والمغرب العربي الكبير، وإن الوصول إلى قيام الجبهة العربية يتم بطريقة المؤتمرات والمحالفات العربية، على أن يكون تحقيق الوحدة القومية شرط للتعاون، وكذلك إبقاء القرار في المسائل السورية سوريا، وإلاّ وقعت سورية فريسة للانسياق لمصالح الأمم العربية الأقوى.
قيد سعادة نفسه وأعضاء الحزب والمسؤولين فيه بدستور واضح وضعه عام 1934، يشمل المؤسسات التشريعية (المجلس الأعلى ومجالس المنفذيات) والمؤسسات التنفيذية (رئيس الحزب ومجلس العمد والإدارات المحلية في المناطق)، كما حدد صلاحيات المسؤولين وكيفية تعيينهم وإقالتهم، وجعل النظام فردي متسلسل منعا للفوضى والخصومات، على أن يكون هو زعيما مدى الحياة، يؤيده الأعضاء تأيدا مطلقا، ومن بعده يتم تداول السلطة كل عامين مرة، ووضع قانون المحكمة المركزية لفض الخلافات وهذا القانون لم يطبق إلى اليوم، وأدرك قيمة المعلومات فأسس جهازا للاستخبارات عرف باسم «مكتب أعلى مختص» (مام)، وأولى عناية كبرى بالتوثيق لجميع فعاليات الحزب الداخلية والجماهيرية.
وعلى المستوى الإصلاحي أقر سعادة المبادئ التالية: فصل الدين عن الدولة، وإزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب، وإلغاء الإقطاع، وتنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج، وإنصاف العمل، وصيانة مصلحة الأمة، وإعداد جيش قوي، يكون ذا قيمة فعلية في تقرير مصير الأمة والوطن.
وفي معالجة القضايا السياسية اعتمد سعادة مبدأ عدم تجاهل الأمر الواقع، وفي نفس الوقت عدم الخروج عن مبادئ وأهداف الحزب، واعتبر أن سياسة الحزب ليست فاشية ولا نازية ولا ديمقراطية ولا شيوعية، إنها تخضع للمبدأ القائل مصلحة سوريا فوق كل مصلحة.
وكانت لسعادة في الحرب استراتيجية واحدة، هي الهجوم، لاستحالة تحقيق النصر من موقع الدفاع: «نحن حركة هجومية لا دفاعية، نهاجم بالفكر والروح، ونهاجم بالأعمال والأفعال الأوضاع الفاسدة التي تمنع أمتنا من النمو ومن استعمال نشاطها وقوتها، نهاجم الحزبيات الدينية، والإقطاع المتحكم بالفلاحين، والرأسمالية الطاغية، والعقليات المتحجرة والنظرة الفردية».
القسم الأخير استعرض المراحل التي مر بها الحزب السوري القومي الاجتماعي والإشكالات التي اعترته، وحسب رأي الباحث فقد عاني الحزب من أزمات حادة رافقته منذ تأسيسه، وبعد إعدام سعادة عام 1949 عصفت به صراعات داخلية عنيفة، أدت إلى اغتيالات وانشقاقات وتوحّدات عديدة في السبعينات والثمانيات والتسعينات من القرن الماضي، أوصلته إلى وجود تنظيمين، يدّعي كل منهما انه هو الحزب، عدا عن عدد من المواقع الالكترونية المناقضة لكلا القيادتين.
وفي ذات السياق التصادمي فقد نهج الحزب منذ مطلع الخمسينات سياسة الترويج للفكر الليبرالي المعادي للشيوعية لإعطاء سند أيديولوجي للتحالف مع قوى اليمين الأميركية في المنطقة، ما أدى إلى انقسامه إلى جناحين في عام 1957، الأول بقيادة جورج عبد المسيح والثاني بقيادة أسد الأشقر، وفي عام 1960 بدأ الحديث عن يسارية الحزب.
وبعد عام قام الحزب بمحاولة انقلاب فاشلة في لبنان، أدت إلى ضرب قواعده وزجّ معظم أعضائه في المعتقلات، وحين خرج القوميون من السجن عام 1969، انعقد مؤتمر «ملكارت» لتكريس نهج اليسار، بعدها مر التنظيم بمرحلة عاصفة نتيجة تثوير وتطوير عقيدته، تميزت بإلغاء رتبة الأمناء وإنشاء تنظيم سري داخل الحزب، وصولا إلى انتفاضة عام 1974 حين اجتمع أغلبية القوميين المعارضين خارج التنظيمين للعودة إلى تعاليم سعادة تحت قيادة الدكتور وسيم زين الدين (أبو واجب) إلى أن اغتيل برصاصة عام 1975، وانقسم الحزب إلى قسمين جديدين، الأول بقيادة إنعام رعد متحالفا مع منظمة التحرير الفلسطينية، والآخر بقيادة الراحل إلياس جرجي متحالفا مع دمشق، وهذان الطرفان توحّدا عام 1977، ثم افترقا عام 1987 تحت اسمي «المجلس الأعلى» بقيادة انعام رعد و«الطوارئ» بقيادة عصام المحايري، ثم توحّد التنظيمان من جديد عام 1998.
الكتاب: «إدارة الاستراتيجية في المنظمة العقائدية/أنطون سعادة نموذجا/ الحزب السوري القومي الاجتماعي
المؤلف: أسامة عجاج المهتار
الناشر: مؤسسة سعادة للثقافة ـ بيروت 2009
الصفحات: 211 صفحة
القطع: كبير
تهامة الجندي
