هذا الكتاب يتناول العديد من القضايا الإشكالية التي يصعب إن لم يكن يستحيل بكل تأكيد الجزم بموقف محدد بشأنها. غير أن ذلك لا يقلل من قيمة الجهد الذي بذله المؤلف في موضوعه والأهمية الكبيرة في تسليط الضوء على مرحلة هامة من تاريخنا وصولا إلى ما يصفه المؤلف بإعادة بناء الأساطير من داخل التاريخ وهو ما استلزم منه الغوص في روايات الإخباريين العرب بخاصة عن نصرانية بعض القبائل في الجزيرة العربية واليمن والعراق والشام لتوضيح ما يصفه ويطلق عليه «المسيح العربي»، وإن كانت أطروحات الربيعي يجب أن تخضع لكثير من الفحص والتمحيص حتى لا يتم تكريس رؤى وأفكار تستند إلى اساس رواه.
ومما يضيف إلى الجانب الإشكالي في الطرح الذي يقدمه المؤلف إشارته إلى ما يصفه بظهور ثلاثة مراكز روحية كبرى في الجزيرة العربية هي اليهودية في اليمن ثم المسيحية في نجران وأخيرا الإسلام في الحجاز فيما يطلق عليه تعبير «إيكولوجيا التوحيد». وهو ما يؤكده إشارته الى أن اليهودية دين من أديان العرب دانت به قبائل منهم ثم انتشر في وقت ما من التاريخ خارج حاضنته التاريخية القديمة مثله مثل المسيحية التي انبثقت من قلب النصرانية العربية وراحت تنتشر في مختلف أرجاء الإمبراطورية الرومانية بعد اعتناق روما لها رسمياً.
وتتمثل الفكرة الأساسية للمؤلف التي يطرحها في كتابه في تزاحم صورتين متناظرتين للمسيح في قلب المسيحية العربية كما تزاحمت في الماضي البعيد إحداهما للنبي عيسى بن مريم والأخرى حسب هذه الصورة ل«الرب يسوع المسيح».
وهما بفعل هذا التشابك الإستثنائي تبدوان حتى هذه اللحظة كصورتين تاريخيتين لديانتين إحداهما قديمة وقد عرفها العرب باسم النصرانية وأخرى جديدة سوف يعرفونها تحت تأثير الفلسفة اليونانية ثم تاليا تحت تأثير الجدل الفلسفي العميق حول شخصية المسيح باسم المسيحية وهي المسيحية الرسولية نسبة إلى بولس الرسول وقد درج العامة من الناس على مماثلة النصرانية مع المسيحية حتى أصبحت كلمة نصراني دالة على المسيحي بإطلاق.
وحسب المؤلف إستنادا الى كثير من المصادر التاريخية والتوغل فيها فإن روايات بعض الإخباريين العرب عن نصرانية بعض القبائل في الجزيرة العربية واليمن والعراق والشام لا تدل من قريب ولا من بعيد على أن المقصود منها الإشارة إلى المسيحية كما نعرفها اليوم بل قصد منها الإشارة إلى دين عربي قديم هو النصرانية ومن هنا فإن ما يسعى المؤلف إلى التأكيد عليه أنه على هذا الأساس فإن الرواية المعاصرة ولأغراض التحليل التاريخي ليس إلا يجب أن تتضمن التمييز نفسه.
وفي سياق تأكيده على فكرته يشير الربيعي إلى أن بزوغ عصر النصرانية في الجزيرة العربية ثم اضمحلالها وانحسارها وتراجعها في المنطقة ككل ارتبط بجملة عوامل وظروف دولية ومحلية متشابكة قد يكون من بينها حسبما يشير تصاعد الصراع البيزنطي ـ الفارسي وهو صراع لعبت فيه مملكة الحيرة في العراق القديم واليمن ونجران ومكة والقدس أدوارا متميزة.
وقد أصبحت الحيرة واحدة من أكبر حاضنتين تاريخيتين للنصرانية بعد نجران في الجنوب الغربي فعلى الرغم من التراجع الذي عرفته النصرانية إلا أنها واصلت دفاعها المستميت عن نصرانية العرب الأولى دين عيسى بن مريم وذلك حين أقدم ملوكها ـ كما أقدمت قبائلهم ـ على اعتناق مذاهب مسيحية شرقية بدت لهم وكأنها الأقرب إلى الديانة القديمة التي عرفوها ومن هنا سعت مملكة الحيرة إلى مقاومة التبدل العميق والجذري الذي طرأ على هذه الديانة ولكن دون جدوى.
وفي ظل حالة من تزاحم القوى الدولية والأفكار والمعتقدات الفلسفية من حول العرب راحت الصور الجديدة ليسوع المسيح «الرب» وقد صاغها الرسل والبطاركة في أنطاكيا والأسكندرية بعناية تامة تحت التأثير المباشر للفلسفة اليونانية تتدفق من حول قبائلهم وممالكهم الصغيرة لا لتفرض عليهم القيام بتعديلات طفيفة على جوهر ديانتهم القديمة وحسب بل وأن يتقبلوا الدمج المثير بين شخصيتي عيسى بن مريم ويسوع المسيح كرب لا كإنسان الأمر الذي كانت تأباه تحت تأثير فطرتها الأولى التي تأنف من فكرة تأليه البشر لبشر آخرين.
والأمر الذي يؤكد عليه المؤلف في سياق طرحه هو أن نصرانية قبائل العرب كانت هي مسيحيتها القديمة التي ولدت على الفطرة ، عقيدة توحيدية شديدة البساطة والتقشف من المنظور الفلسفي بل وشديدة التناغم والإنسجام والتلاؤم مع حاجات بيئة صحراوية.
وفي تتبعه لتحولات النصرانية، إنطلاقا من الأساس الذي يبني عليه مادة كتابه، يذكر الربيعي أن النصاري العرب في مملكة الحيرة وهم يتتبعون خطى أخوتهم في نجران راحوا يتجمعون في شكل فرقة دينية يطلق عليها العباد، مضيفا أن التحول المطرد فيما بعد الى الحنيفية والذي شهدته الجزيرة العربية في أوساط وثنيي قريش عشية الإسلام كان يرتبط عميقا بحقيقة أن تراجع النصرانية اتخذ في هذه الآونة من التاريخ صورة عودة إلى عقائد وشرائع عربية ولدت في الأصل من رحم الديانة الإبراهيمية ومن هذه العقائد عقيدة الحنيفية.
ومن بين المصادر التي يحاول المؤلف تأكيد روايته بناء عليها ما سجله القرآن الكريم في العديد من الآيات والصور بشأن الجدل المحتدم حول شخصية المسيح الأمر الذي انتهى بتمسك وتشبث النصاري العرب بروايتهم عن دين المسيح العربي. ومع اعتناق الإمبراطورية الرومانية للمسيحية كديانة رسمية لم يكن أمام النصرانية العربية سوى الإنزواء داخل الجزيرة العربية في صورة أحناف زهدوا في الدنيا ولكنهم كانوا لا يزالون في مسوح الرهبان.
وفي سياق مسعاه للتأسيس لرؤيته القائمة على إعادة تركيب تاريخ قديم يحلل المؤلف ما يصفه بأهم أسطورة عربية قديمة تداولها سكان الحيرة ومعهم عرب الجزيرة العربية على مر العصور وهي اسطورة جذيمة الأبرش الذي يقال انه تحول إلى النصرانية ومصرع النديمين ـ المهرجين ـ بوصفها الأسطورة الكبرى والمؤسسة لسلسلة من الأساطير والتصورات السائدة عن تاريخ هذه المملكة ونصرانية ملوكها العرب.
والخلاصة ـ حسب الكتاب ـ أن النصرانية لم تكن دينا غريبا على العرب وهي لم تفد أو تدخل أرضهم المترامية الأطراف خلسة. كما أن أفكارها حول الرب والكون وعالم الخير والشر والنجاسة والطهارة لم تكن هي الأخرى غريبة أو متعارضة مع المعتقدات البدائية التي آمنت بها القبائل على اختلاف أنسابها وأوطانها التاريخية بالسليقة.
الكتاب: المسيح العربي
تأليف: فاضل الربيعي
الناشر: رياض الريس للكتب والنشر بيروت ـ 2009
الصفحات: 367 صفحة
القطع: المتوسط
مصطفى عبد الرازق
