كل حداثة تنهل بالضرورة من الحداثة الأوروبية بوصفها المصدر والأصل، لكن أياً منها يتلوّن بلون المجتمع الخاص، الذي تنبع منه أفكار الحداثة، ويتكيف مع معطيات تاريخه ومواريثه

يتابع عبد الإله بلقزيز دراسة تجليات الحداثة الفكرية عربياً، والتي بدأها في كتابه السابق «العرب والحداثة». وينظر إليها بوصفها صورة لا تقبلُ الإدراك بعقل قياسيّ، يضعها في ميزان المضاهاة، انطلاقاً من مفهوم نظريً جاهز للحداثة ومحاكمتها على هذا المقتضى؛ ذلك أن أنه لن يكون بالوسع تمثلها كحداثة ولا فهمها من دون قراءتها في تاريخيتها الخاصة، وفي نسبية معنى لا يقبل الإدراك بمعزل عن شروط تحددهُ.

ويكمن خلف هذه الصورة منطلق يعتبر أن كل حداثة تنهل بالضرورة من الحداثة الأوروبية بوصفها المصدر والأصل. لكن أياً منها يتلوّن بلون المجتمع الخاص، الذي تنبع منه أفكار الحداثة، ويتكيف مع معطيات تاريخه ومواريثه. وعند اعتبار الحداثة العربية، وسواها، هي مجرد صورة عن الحداثة الأوروبية أو نسخة منها، فإن في هذا الاعتبار تجاهل التاريخ وتخيل الأفكار الكائنة سابحة في الفضاء، عابرة للمكان والزمان والوقائع. ولا شك في أن أية حداثةً فكرية لا تنشأ مكتملة في لحظة الميلاد والقيام، وإنما تتطور وتنمو في سياق تراكمي، تغتني فيه وتكتسب ملامح أوضح.

لذلك يقرأ بلقزيز الحداثة في الفكر العربي بعيداً عن فكرة المضاهاة والقياس على مثال سبق، وعن التسليم بأن «ماهيتها» كحداثة إنما مأتاها من نظرتها الحديثة بمعزل عن مطابقتها أو عدم مطابقتها للنظرة الأصل؛ ثم بعيداً عن فكرة النموذج الأوحد الذي يتجاهل سياقات التطور التاريخي وقانون التراكم في الفكر والظواهر الفكرية.

ويعتبر أن الحداثة الفكرية العربية نجمت عن اتصال فكري عربي لم ينقطع بمصادر الفكر الغربي منذ قرن ونصف القرن، تخللهُ التقليد والاقتباس والاستلهام والتأويل والحوار والنقد، أي جميع أنواع الصلة التي يمكن أن ينسجها فكر مع آخر يؤثر فيه. لكنها في الوقت ذاته نشأت كي تجيب عن أسئلة خاصة بالمجتمع العربي والثقافة العربية، أسئلة ما كان حداثيو أوروبا قبل قرن ونصف يواجهونها أو يواجهون معظمها، لأنها لا تنتمي إلى حقلهم التاريخي والثقافي.

ويرى عبد الإله بلقزيز أن ثلاثة أجيال وثلاث موجات فكرية للحداثة شهدها الفكر العربي، منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر حتى اليوم، حيث يمتد الزمن الثقافي للجيلين الأول والثاني إلى منتصف القرن العشرين، وقد خصص لها كتابه الأول السابق الذكر.

أما موضوع هذا الكتاب فهو جيل الحداثة الثالث، الذي يبدأ في عقدي الخمسينيات والستينيات ويطل على الساحة الفكرية العربية بأفكاره، وإن كان معظم ما كتبه يقع زمنياً بين منتصف الستينات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وهو الجيل الذي يتناول خطاب الحداثة عنده من خلال بعض أبرز ممثليه في العقود الأربعة الماضية، وبعض أهمّ الإشكاليات التي انشغل بالبحث والكتابة فيها.

ويسكن هذه الرؤية اعتقاد يفيد أن خطاب الحداثة في الفكر العربي المعاصر مرّ بلحظتين فكريتين وإشكاليتين، وتمتد حتى منتصف القرن العشرين، كان فيها نهضويّاً، أي كان خطاباً في النهضة. وثانيهما، تبدأ منذ عقد الخمسينات من القرن الماضي، كان فيها حداثياً، أي خطاباً في الحداثة. وعليه فإن البحث يركز على الانتقال من إشكالية النهضة إلى إشكالية الحداثة في الفكر العربي، والشروط التاريخية والفكرية لذلك الانتقال.

ويحدد بلقزيز أربع سمات تسمُ الموجة الثالثة من موجات الحداثة في الفكر العربي المعاصر منذ انطلقت في خمسينات القرن العشرين الماضي، أولاهما، أن مفكريها كانوا أكثر اتصالاً بمصادر الفكر الغربي وتيارات الحداثة فيه أكثر من سابقيهم. ولم يكن السبب في ذلك أنهم تعلموا في جامعات الغرب وعاشوا فترة من الزمن في مجتمعاته، لقد قضى أحمد فارس الشدياق في منتصف القرن التاسع عشر أزيد من ربع قرن بين بريطانيا وفرنسا ومالطا، وقضى قبله الطهطاوي سنوات في باريس، وتخرج عدد من رموز جيل الحداثة الثاني في الجامعات الأوروبية، وكان في جملتهم محمد حسين هيكل وطه حسين اللذان درسا في فرنسا.

وثانيهما، غلبةُ منزع أكاديمي في التأليف ونقص في منسوب التبشرية في التفكير مقارنة بجيلي الحداثة السابقين، وخاصة بالجيل الثاني منهما. ويتصل النّفس الأكاديمي في تأليف مفكري الحداثة الجدد بواقع ميلهم إل التخصص في مجالات وموضوعات بعينها، وما يفرضه عليهم التخصص من تقاليد في البحث والكتابة أكثر صرامة مما يعرف في مجال التأليف الحر.

وثالثهما، علاقة نقدية بالمرجعين الثقافيين التراثيّ والغربيّ، اللذين تستقي منهما هذه النخبة معرفتها وتضعهما، في الوقت عينه، موضع مساءلة ونقد. ما كان جيل الحداثة الثاني، السابق زمناً أقل معرفة بالتراث العربي ـ الإسلامي. كان في جملته مفكرون على مستوى من المعرفة عميق ومحيط بذلك التراث في جوانبه المختلفة: الأدبية والفكرية والدينية. وليس المرء في حاجة إلى بيان وجوه ذينك العمق والإحاطة في أعمال رموز منه من جرجي زيدان إلى طه حسين ومحمد حسين هيكل وأحمد أمين.

ولا كانت معرفته بالتراث الفكري الغربيّ أقل، خاصة في حالة رجل مثل طه حسين. غير أن ما ميز جيل الحداثة الثالث، فضلاً عن سعة اطلاعه على المصدرين، هو المنزع النقدي الذي وسم علاقته بالتراث وبالفكر الغربي، إذ كان أقل اطمئناناً من سابقه إلى معطيات المعرفة التراثية، وأقل انئخاذاً بالمعرفة الغربية أو استعداداً للتبشير بها. ورابع السمات هي النزعة التركيبية التي حكمت النظرة إلى مسائل المعرفة والفكر التاريخي والسياسة والاجتماع، تستدخل حقائق الميراث الثقافي والديني في رؤية حداثية تنشد التقدم وتبني له فكرياً.

ويسكن بلقزيز هاجس التساؤل عن أسباب عدم تشكل صرح الدولة الوطنية، وعن العوامل التي أفشلتها، فضلاً عن مسائل الحداثة والعلمانية والنزعة التاريخية، وتقصي ذلك في السياقات الفكرية لدى كل من أنور عبد الملك، ناصيف نصار، علي أومليل، عبد الله العروي، ياسين الحافظ، هشام جعيط. واقتضى ذلك الخوض في الإطار التاريخي لتكون النخبة الثقافية العربية، التي شهدت مراحل امتدت من ثورية الدولة الوطنية ومن ثم انهيارها وصعود الصحوة الإسلامية وفشلها.

والبداية هي ما تقدم به أنور عبد الملك في كتابه «المجتمع المصري والجيش»، الذي عرّى فيه التجربة الناصرية من أوهام الاشتراكية، وانتقد حدة الاستبداد والقمع، وسيطرة الطبقة العسكرية على مقاليد الحكم نتيجة خروج رجالات ثورة يونيو عن مشروعهم الأساس، في تطوير المجتمع المصري، من دون إنكاره ما حققه النظام الناصري من انجازات اقتصادية واجتماعية، ارتكزت على «رأسمالية الدولة» وليس على الاقتصاد الاشتراكي. وقد أفشل ذلك قيام الدولة بمقاليدها الحداثوية، حيث كانت مصر تعاني من سؤال الصيغة وليس الوجود؛ بمعنى أنها لم تشهد فراغاً سياسياً نتيجة غياب الدولة، كما هو الحال في الجزائر وليبيا، إنما عانت من سلطتها.

وفي سؤال «العلمانية والدولة الوطنية» يجري الحديث عن ما قدمه ناصيف نصار حول إشكالية الفصل بين الديني والسياسي، وإلحاحه الشديد على مدنية السلطة والحرية والديمقراطية والمواطنية؛ وتحليل أفكاره التقدمية، التي نهضت على المسار التلازمي ما بين بناء الدولة العَالِمة، التي لا تتوسل الدين لإضفاء الشرعية على مقاليدها، وبين المعارضة والتعددية الحزبية، من دون إغفال جملة الانتقادات التي بلورها نصار حول الطائفية، وإقحام الدين في العلاقات العامة.

ومبدأ الحاكمية الذي يؤول إلى مصادرة سمات ومميزات الدولة الحديثة. أما علي أومليل فقد طرح مفاهيم تنهج نهجاً إصلاحيا إسلامياً، بدء مع رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده، واستمر مع علي عبد الرازق، وصولاً إلى حسن البنَّا وسيد قطب، الذي قام بتأصيل نصوصه في إطار جاهلية العالم، وتكفير المجتمع والدولة، ليضع أساس للراديكالية الإسلامية التي رفعت شعار «الإسلام هو الحل».

الكتاب: من النهضة الى الحداثة

المؤلف: د.عبد الإله بلقزيز

الناشر: مركز دراسات

الوحدة العربية، بيروت، 2009

الصفحات: 318 صفحة

القطع: الكبير

عمر كوش