شكل صدور رواية «لا يتحركن أحد!» للروائي والشاعر والمسرحي دنيس جونسون المنطلق الذي التقط منه موقع «سان فرانسيسكو ريد» طرف الخيط لإجراء هذه المقابلة معه.

حيث لم يتردد في الإعراب عن اعتقاده بأن المسرح هو وحده الذي يتيح له المجال لإطلاق العنان لجنونه، وأنه بالمقابل شرع صوته يغدو أكثر خفة عبر الرواية، وأن الرواية من منظور أقرب إلي المحيط الذي يتحدانا لشق عبابه، وشدد على أن الفن والأدب يستمدان قيمتهما من أنهما يؤكدان أننا لا نزال على قيد الحياة، وأننا قادرون على الارتفاع إلى مستوى تحدياتها، مهما كانت الصعوبات التي تواجهنا. وفيما يلي نص الحوار:

ما الذي تشكله لك رواية «لا يتحركن أحد!» التي تبدو مختلفة تماماً عن روايتك الملحمية «شجرة الدخان» التي تدور حول حرب فيتنام؟

روايتي الجديدة عمل يدور حول رجل تردى به الحظ في عالم الغرب الأميركي اليوم بكل ما يحفل به من تناقضات، وهو يلتقي بسيدة فاتنة تعاني من متاعب جمة، ويحاولان التعامل مع مصيرهما على أفضل نحو يستطيعانه، أما «شجرة الدخان» فمن الواضح أنني استغرقت كل هذا الوقت الطويل قبل انجازها لأن هذا الوقت كان ضرورياً لاستيعاب التجربة الأميركية في فيتنام والانطلاق نحو الكتابة عنها.

على الرغم من أنك انتقلت من كتابة المسرحيات، فقد عدت إلى نظم الشعر. هل الرواية بالنسبة لك شكل أدبي تركته وراءك لتوك؟

إنني أستمتع بكتابة الروايات حقا، فهي كالمحيط، ولا يمكنك إلا أن تبني مركباً وتندفع به إلى العباب الأزرق. ولست أفهم السر في أن يقوم أي شخص بانتقاد رواية لا لشيء إلا لأنك وصلت إلى الشاطئ الآخر، ووصلت إلي هناك على قيد الحياة، وربما تكون قد انطلقت إلى إفريقيا وانتهيت بالوصول إلى شواطئ أسبانيا.

ولكن ماذا إذا كان الأمر كذلك؟ إنني أعكف على تأليف رواية الآن، ولكنني لم أتخل قط عن نظم الشعر كلية، فأذناي تقودانني إليه. وعندما أدركت في غمار تأليفي لمسرحياتي أنني بسبيلي إلى كتابة هذه النوعية من المادة الهائلة ذات الأصداء التراجيدية، بدا لي الشعر القالب المناسب لاستيعابها.

تصف مراجعة لمجموعتك القصصية «ابن المسيح» نشرت في مجلة «نيويوركر» حول الكتابة تحت تأثير كتاب آخرين كل الأدب الذي يدور حول المخدرات بأنه لا يتميز بشيء إلا بكونه أدباً عادياً ومبتذلاً، مع استثناء وحيد، هو مجموعة «ابن المسيح» ذاتها.

لقد كنت صريحاً ومباشراً عندما كتبت ذلك العمل، وأنا لم أكتبه تحت تأثير أحد، ولست أدري كيف يمكن للمرء أن يكتب تحت تأثير آخرين. ترى هل قالوا إنني تحت تأثير أحد؟ أعتقد أنه من السخف أن يظن. أي أحد أن بمقدورك أن تكتب تحت تأثير آخرين، ولكنهم إذا كانوا يحبون اعتقاد ذلك، فإنني أود الإبقاء على الأسطورة حية. وربما كنت تحت تأثير أحد وأنا أكتب «ابن المسيح» من دون أن أدري.

تبدو مجوعتك «ابن المسيح» كما لو كانت الكتاب الذي دفع بعملك إلى التيار الرئيسي للأدب في أميركا.

الأمر الطريف فيما يتعلق بمجموعة «ابن المسيح» هو أنني لم أقم بتأليف هذا الكتاب، وإنما دونته تدويناً كأنما هناك من يمليه عليَّ. وكنت أروي هذه القصص عندما أكون عاكفاً على الأكل أو القيام بأشياء مختلفة فيقول من يسمعونها مني: «ينبغي أن تدون هذه الأشياء كتابة». وربما كنت في الخامسة والثلاثين من عمري عندما قمت بكتابة القصة الأولى منها. والصوت الذي يتناهى للسمع في هذه القصة هو نوع الخيط من حيث انه يحتوي صوتاً شاباً، لكنه كذلك صوت شخص يتطلع بناظريه إلى الوراء. وأنا أحب هذه النوعية من الرؤية المزدوجة.

وهكذا فقد عكفت لبعض الوقت على الاشتغال على هذه القصص، ثم بدأت باستخدام قصص كنت قد سمعت آخرين يرددونها، ثم شرعت في ابتكار قصص أخرى، وسرعان ما تحول الأمر إلى إبداع قصصي، ثم نسيت كل ما يتعلق بالأمر. وحدثت نفسي بأنني لست بسبيلي إلى استعراض عيوبي وتاريخ إعاقتي الروحية أمام جمع من الناس، ولكنني من حين إلى آخر كنت أكتب المزيد من هذه القصص، فكل ما هناك أنني كنت أستمتع إلى الأصوات فحسب.

ولم أنته من هذه القصص إلا بعد أن ذهبت إلى الفلبين وأصبت بالملاريا هناك، ولم أستطع العمل ولم يكن لديّ مال. ولكنني كانت لدي سبع قصص، فكتبت ثلاث قصص أو أربع قصص إضافية. وحتى الآن فإن الناس يذكرون هذه المجموعة كما لو كانت الكتاب الوحيد الذي كتبته. وقد اتصلت بي مجلة «ديتيلز» منذ بعض الوقت وقال لي محررها: «هل تعرف أن هذه هي الذكرى العاشرة لإصدار (ابن المسيح)؟». فقلت لهم: «لقد قمت بتأليف حوالي عشرة كتب منذ ذلك الحين، فلم لا تكتبوا عن أحدها؟».

هل كان هناك منعطف محدد عندما التزمت حقاً بالكتابة؟

حصلت على منحة لورشة الفنون الجميلة في بروفنستاون بولاية ماساشوستس، وهي ورشة يلتقي فيها عشرة فنانين وعشرة كتاب لمدة سبعة شهور. وهي شيء رائع. ويدفعون تكلفة الإقامة في غرفة والتدفئة والكهرباء بالإضافة إلى مصاريف شهرية تقدر بحوالي 300 دولار. وكنت قد نشرت رواية واحدة بالفعل، ولم يكن ذلك بالأمر الجيد للغاية، وهكذا مضيت إلى هناك للاشتغال على روايتي التالية، وحسبت أنني سأقوم بذلك حقاً، ولكنني اكتفيت بالمكوث هنالك فحسب ومطاردة النساء، ولم أنجز شيئاً. أوه، يا إلهي، لقد كانت تلك فرصة عظيمة. وإلى أين مضت. استبد بي الضيق تماماً.

ماذا حدث بعد ذلك؟

كنت قد بدأت في الاشتغال على الرواية. وقد قابلت امرأة وتزوجتها، ولكن المال نفد في التو، فجاءت إلى الدار وقالت: «لم يعد هناك مال». وقلت: «أعرف. إنني آسف» فقالت لي إنني ينبغي عليّ الحصول على وظيفة. ولم تكن لدي وظيفة على امتداد سبعة شهور، وخطر ببالي أنني لن أشتغل على رواياتي بعد ذلك أبداً. وحدثت نفسي: لا يمكنك الوصول إلى نقطة تقول عندها: «عندما استقر مالياً، سأترك الوظيفة وأعود إلى الأدب»، ذلك أنه يتعين عليك أن تترك الوظيفة أولاً.

وقد أرادت زوجتي أن تعرف ما الذي سيحدث، فقد حان موعد دفع الإيجار، وقلت لها: «لسوف أعيش في الشارع، وسأكتب في الشارع». وعندئذ استبد بها الجنون، وهجرتني. وكانت لديَّ آلتي الكاتبة واستغرق الأمر مني ثلاثة أشهر للانتهاء من تأليف الرواية، وتم نشرها، وعادت إليَّ زوجتي بعد ذلك بوقت طويل.

منى مدكور