الوقت لم يسعف محبي الموسيقى والسينما حول العالم كي يرفعوا رؤوسهم ويتنفسوا الصعداء، فبينما كانوا يستفيقون من المفاجأة التي ولدتها وفاة مايكل جاكسون وامتصاص ردة الفعل على اختفاء المخرج السينمائي جون هيوز، حتى وصلهم خبر وفاة الموسيقي الأميركي ويلي ديفيل، الذي يعد أحد أهم أعمدة موسيقى الـ «روك آند رول» حول العالم، والذي أدهش عشاق الموسيقى عندما ظهر في ستينيات القرن الماضي على مسرح موسيقى الـ «بونك» الأميركي تحت راية فرقة «مينك ديفيل».
رحيل ديفيل لن ينسي عشاق موسيقاه، التي يمكن وصفها بالثورية، تلك الجرأة التي تصل إلى درجة الوقاحة أحيانا ووضعية اليد اليسرى على القيثارة والوجنتين المميزتين والبزة والصدرية الأنيقتين وتلك ألأحذية الإيطالية الفخمة التي كان يرتديها. صورة تضع صاحبها رجل المافيا والزعيم النيويوركي من جهة، وبين أناقة الطبقة الأرستقراطية ذات الدخل المتدني وثقافة المحقنة الصغيرة من الجهة الأخرى.
لقد بقي في تاريخ الموسيقى أعمال فنية عظيمة على غرار«كابريتا» و«العودة إلى الأرجواني» و«لي شات بلو»، التي تعكس قصص الروك آند رول في الأحياء الفقيرة التي تختلط فيها الثقافات الأعراق وتعج بالـ «يانكيين» وبائعات الهوى والفضوليين. هناك كانت تعيش روسيتا، الفتاة التي كانت تسرق أجهزة التلفزيون والسيارات بعد أن استحوذت على قلوب رجال عشقوها، وهناك منبت الحنين إلى إديث بيف والثقافة الفرنسية، الأمر الذي يجعل من المستحيل على المرء تذكر اسطوانة واحدة فقط لمينك ديفيل أو أغنية واحدة، فهناك الكثير منها التي لا تنسى، إلى درجة يمكن القول معها إن الاستماع ولو مرة واحدة لأغنية «هيفن ستود ستيل» يجعل من هذا العالم جدير بأن يعاش.
سجل الموسيقي الأميركي ويلي ديفيل، الذي وافته المنية مؤخراً، علامة فارقة في مسيرة الموسيقى العالمية وترك بصمة واضحة في إنتاج أجيال من الموسيقيين ستظل تلقي ببريقها على الساحة الموسيقية حتى إشعار آخر، أمر ليس بغريب على قامة موسيقية بهذا الحجم، إذ يعتبر ديفيل وريث بدايات موسيقى الـ «روك» وبطل موسيقى الـ «بانك» في سبعينيات القرن الماضي، فضلا عن أنه رائد ذلك النوع من الموسيقي صاحب الجذر الأميركي لكن بروح لاتينية، ومبدع أغنيات مؤثرة على غرار «هاي جوي».
اهتمامه بالتهجين الموسيقي انتهى به متحولا إلى علامة فارقة لهوية متميزة دمغت نتاجه الموسيقي، الذي خلط فيه الـ «روك»، الـ «بلوز» والـ «سول» مع التأثيرات البدائية القادمة من الجنوب الأوروبي وأميركا اللاتينية.
خلطة يصفها بعض النقاد بأنها نمط جديد أطلقوا عليه اسم «سبانيش ـ أميريكان»، أو الموسيقى الاسبانية ـ الأميركية، والذي أصبح في يومنا هذا يتيما إثر الرحيل المفاجئ لهذا الفنان العملاق في نيويورك، المدينة التي ولد فيها في بداية خمسينيات القرن الماضي، إذ ليس هناك اجماع فيما يتعلق بعمره، الذي ترواح على ما يبدو بين 55 و58 عاماً.
كان ديفيل قد تشرب منذ نعومة أظفاره من بيئته المتواضعة، ألحان عدد من الموسيقيين الشباب مثل بوب دايلن وجيمي هندريكس وصوت مغني الـ «بلوز» والـ «فولك» فريد نيل، الذين شكلوا بعض المرجعيات الموسيقية التي ظلت حاضرة في أعماله طوال مسيرته الفنية.
صحيح أن بدايته الاحترافية قد رأت النور على يد فرقة «مينك دفيفل»، التي أصدر معها في عام 1977 ألبوم «كاربيتا»، وهو الأول من بين ست اسطوانات كانت سترى النور خلال نحو عقد من عمر الفرقة، وصحيح أيضاً أن موسيقى مينك ديفيل كانت في طريقها لأن تصبح أحد أعمدة موسيقى الـ «بونك» النيويوركية ومرجعية الليالي الشعبية التي كان يحييها نادي الـ «روك سي بي جي بي».
وذلك إلى جانب بلوندي أو جماعة «رامون»، إلا أن النمط الخاص الذي اعتمدته مينك ديفيل فشل ساعة أسر قلوب الجماهير في الولايات المتحدة مثلما فعلت تشكيلات موسيقية أخرى من جيله، الأمر الذي ربما دفعه إلى أوروبا التي وجد فيها فسحة، حيث لاقت أغاني مثل «سبانيش سترول»،1977، و«زيادة عن اللازم يا قلبي»، 1983، و«إيطاليا شوز»،1885، ترحابا كبيرا.
ويبدو أن الإقامة في أوروبا قد طابت لديفيل إلى درجة وصل به الأمر إلى تسجيل جزء من أسطوانة «لو شات بلو»، 1980، في باريس، وهو عمل جسد فيه تقديره للمغنية الفرنسية الشهيرة إديث بيف ووصف على نطاق واسع بأنه تعبير ناجح وواضح عن الحركة الرومانسية.
في عام 1987 خطى خطوته الأولى كمغني منفرد باسطوانة «ميركل»،التي اعتبر ديفيل نفسه أن خروجها إلى السوق كان معجزة بحد ذاته، في حين اعتمد في إنتاجها على مارك نوبفلير، قائد فرقة «داير ستريت»، ولقد خرج من تلك الاسطوانة أغنية «سترايبوك لوف»، التي ضمنها نوبفلير في موسيقى فيلم «الأميرة العروس»، الذي رأى النور عام 1987. تمكن ديفيل من الاقتراب من جوائز الأوسكار حين تم ترشيحه ضمن فئة أفضل أغنية أصلية، على الرغم من أن التمثال الصغير ذهب لصالح أغنية ديرتي دانسنغ «آي هاد هاف ذي تايم أوف ماي لايف».
وكان هذا المغني، صاحب الصورة، التي لا يمكن أن تختلط على أحد بنمطها الذي يتراوح بين الـ «بونك» والبطل النبيل أينييغو مونتويا في فيلم «الأميرة العروس»، قد استقر في تسعينات القرن الماضي في مدينة نيو أورلينز، حيث استكشف الجذور الموسيقية للإيقاعات المحلية التي قادت إلى ظهور ألبومه «فيكتوري ميكستر» عام 1990.
بعد مرور سنتين على ذلك الألبوم، أنزل إلى الشارع «باكستريتس أوف ديسير»، الذي قد يكون أكثر عمل له أحدث دويا في العالم بفضل أغنية «هاي جو»، التي أخذها جيمي هندركس الشهير ليقدم نسخة من موسيقى الـ «مارياتشي»، انتهى بها الأمر متحولة إلى علامة بارز في مسيرته الفنية الصاخبة.
بعد ذلك صدرت له،عام 1993، اسطوانة أخرى حققت نجاحا كبيرا تحت عنوان «لايف» واحتلت المرتبة الأولى في المبيعات في اسبانيا، فضلا عن خمسة ألبومات أخرى كان آخرها «مسدس»، الذي رأى النور في عام 2008.
فيما يتعلق بظروف وفاته، فإنه على الرغم من أن سبب وفاته لم يتأكد بعد، إلا أن زوجة الفنان ذكرت أن ديفيل كان يعاني من سرطان البنكرياس، كما أنه كان مصابا بمرض التهاب الكبد نوع سي.
باسل أبو حمدة
