لا يقل منزل الكاتبة الفرنسية الشهيرة جورج صاند أهمية عن أية رواية من رواياتها خصوصا وأنه كان مزارا لنخبة من كتاب العصر وأدبائه وفنانيه أمثال فرانز ليزت، شوبان، ديلاكروا، فلوبير، تورجنيف، بلزاك والكسندر دوما الابن وغيرهم. منهم من كان يترد على القصر ومنهم من مكث فيه ردحا من الزمن مثل الفنان ديلاكروا الذي رسم فيه اشهر لوحاته أو شوبان الذي ألف فيه معظم سمفونياته الموسيقية.
تبعد مقاطعة بيري التي يقع فيها قصر نوهان، منزل الكاتبة الفرنسية الشهيرة، جورج صاند 250 كيلومترا عن العاصمة باريس. وهي أرض كما اكتشفتها الكاتبة، مليئة بالحكايات والأساطير وكذلك بالبحيرات والمستنقعات. فقد سحرت الكاتبة المناظر الحزينة فيها، وفيها يقع وادي « كروس » الذي قالت فيه الكاتبة بحماسة رومانسية « بأنه ربما أجمل نهر في العالم في شهر أبريل. وكان يسمى أيضا الوادي الأسود الذي تتغير ألوانه من الأزرق إلى البنفسجي. وكثيرا ما كان يتردد اسم هذا النهر في رواياتها. وكان عدد من الرسامين الشهيرين آنذاك أمثال تيدور روسو ومونيه يزورون تلك المناطق لاستحياء عوالم لوحاتهم واقتناص الألوان المنبثقة من بين أغصان الأشجار الكثيفة المحيطة بالقصر.
هنا أمضت جورج صاند سنوات حياتها الأكثر إثارة. عاشت هنا وعشقت هنا وربما كانت أكبر عاشقة في زمانها. فقد بدأت حياتها الغرامية في عمر السادسة عشرة أو السابعة عشرة مع جول ساندو..ومن بعد ذلك، توالى حبها لكل من الكتاب والفنانين أمثال الفريد دي موسيه وفرديريك شوبان وغوستاف فلوبير « أني مذنبة لأنني أشعر بأن عدم نجاحي يعود إلى مشيئة القدر والبحث عن الكمال. عشت قصص الحب مع رجال عديدين لكنني أحببت كفنانة وامرأة وكأخت وكأم وكراهبة وكشاعرة. ومهما يكن من أمر فأنني كنت مخلصة في كل الأحوال». كانت هذه الكاتبة الغريبة الأطوار آنذاك ترتدي ملابس الرجال وتتنكر خلف رجولة تشتاق إليها، تدخن السيكار وتفضح أسرار غرامها حيث كان الحديث عن الحب عن المحرمات آنذاك.
وبعد لانفصال الذي حصل بينها وبين زوجها البارون التعيس كاسيمير دوريفان ،وجدت نفسها في وحدة مطلقة بين الجدران الصامتة لمنزلها. وخلف المرايا تحول قصر نوهان إلى مكان مغلق للمخيلة. كانت جورج صاند تصف منزلها الجميل لكنها كانت تتكلم بحرارة وحميمية عن غرفة الكتابة حيث تبقى تعمل فيها حتى انبلاج الفجر. في هذه الغرفة وجزء من الغرفة المجاورة، سكن الموسيقار الشهير فرديريك شوبان واستوحى أشهر سمفونياته.
فإذا كانت كل أماكن الأرض بالنسبة للكاتبة أمكنة عادية، فأن قصر نوهان تحول إلى مكان لتوليد المخيلة « ذات مرة في حياتي، سكنت نوهان كما لو كان حالة من المنزل المهجور لأن المنزل المهجور كان واحدا من أحلامي لفترة طويلة. كنت أخفي كل ما كان من شانه أن يعيد إلي الذكريات المؤلمة. فقد رتبت جميع الأثاث القديم تماما كما كان يوضع أثناء مرحلة طفولتي. فالبستانية لم تكن تدخل غرفتي إلا لتنظيمها أو لتحمل لي وجبة العشاء. عند غروب الشمس، كنت أغلق كافة الأبواب الخارجية وأترك الأبواب الداخلية مشرعة. وكنت أشعل شموعا كثيرة.
وأقوم بجولة في سلسلة الغرف الكيبرة الكائنة في الطابق الأسفل، ابتداء من الصالون الصغير حيث كنت أنام عادة حتى الصالون الكبير المضاء وأسير في ظل نار الموقد التي كنت أطفئ كل الأضواء وأسير في ظل نار ظل الموقد التي كانت تخبو شيئا فشيئا. كنت أتلذذ بأحاسيس تلك العتمة الغامضة المليئة بالأفكار الحزينة بعد أن أتذكر الحقول الزاهية والذكريات الناعمة لسنوات صباي. كنت أتمتع في أن أدخل شيئا من الخوف في نفسي عند مروري كشبح من أمام ألواح زجاج النوافذ التي نخرها الزمن. وقع خطى أقدامي في الغرف الخالية كانت تجعلني أحيانا ارتعد خوفا ووجلا ».
70 رواية وقصة و 24 مسرحية و 20 كتابا كتبته في هذا القصر
ورثت الكاتبة قصر نوهان من جدتها، وعاشت فيه امرأة متزوجة، وبعدها مطلقة وعاشقة غامرة بالعاطفة وأم حنون، ومن بعد ذلك جدة رائعة. أي أنها أمضت كل مراحل حياتها بين جدران هذا القصر فكيف لا تصبح جزءا منه والقصر يصبح جزءا منها. فقد أمضت أكثر من أربعين عاما من حياتها بين جدرانه. وفيه كتبت الجزء الأكبر من عملها الأدبي الهائل، ما يقرب من 70 رواية وقصة و 24 مسرحية و 20 كتابا في المقالة والمراسلات. لكن معظم هذه لأعمال أصبحت في طي النسيان فيما عدا رسائلها نصوص سيرتها الذاتية.
ولعت الكاتبة بكل ما نولع به اليوم. كان صديقها غوستاف فلوبير يقول عنها « ينبغي أن تعرفوها كما عرفتها أنا، تعرفون كل ما يكمن من أنوثة في هذه الإنسانة العظيمة في أحاسيسها العاطفية المتجسدة في عبقريتها « في رسائلها نجد مشاعر الحب لصديقها فلوبير» لقد أراحت رسالتك قلبي وسأجيب على كل الأسئلة التي تطرحها علي كما سبق وأن أجبت أنت على رسائلي كلها. نحن سعداء. أليس كذلك؟ سعداء بقول كل شيء عن حياة كل منا، وهذا أقل تعقيدا ما يعتقده البرجوازيون.
الأسرار التي نكشفها لصديق هي دائما على النقيض ما يفترضه المغرضون واللامبالون. كنت سعيدة جدا في الأيام الثمانية التي قضيتها بقربك بلا هم شاغل في عش ميل مناظر جميلة، بقلبين عاشقين، وأنا أتذكر وجهك الصادق الجميل . وألفريد دي موسيه، هو الآخر، عشيق آخر للكاتبة التي أطلقت العنان والآلام لقلبها.
وأهم ما يميز علاقتها الغرامية هو امتزاجها بمشاعر الكبرياء. في آخر مطاف علاقتها مع الفريد دي موسيه كتبت له قائلة « آمل أن تأتي، وأنا أنتظر زيارتك من الساعة الحادية عشرة صباحا حتى منتصف الليل. أي يوم هذا؟ كل دقة جرس تجعلني اقفز من مكاني. أشعر بصداع كبير. أتمنى الموت ». وكانت الكاتبة تقطع خصلات شعرها وترسلها إليه.
كان معظم الكتاب البارزين آنذاك يقدرون موهبة جورج صاند. دستويفسكي اعتبر هذه الكاتبة الفرنسية بمثابة أم للرواية الروسية أنها امرأة متفردة سواء بروحها أو بعبقريتها. وأوسكار وايلد قال عنها « كانت تظهر على الدوام، احترامها العميق لأرستقراطية الانتجلسنسيا لكن المعاناة كانت تلامسها أكثر من أي شيء آخر». أما شاتوبريان فيقول فيها « أنها أكبر شاعرة نثر يمتلكها الفرنسيون ».
في قصر نوهان، وفي غرفة عملها حيث كانت تبدع لوحاتها. كانت تنظم حياتها وتستقبل عددا لا حصر له من الأصدقاء ما يقارب عشرة أصدقاء في كل صيف، إضافة إلى أفراد عائلتها. كانت تتمنى الكاتبة أن يمتلئ منزلها بالأصدقاء على الدوام، وهذا المنزل الريفي البرجوازي قبل كل شيء منزلا للثقافة مسرحا للتجريب ومختبرا للأبحاث. تنوعت الاهتمامات في ميادين مختلفة في فنون والكرافيك والرسم والموسيقى.
وكانت الكاتبة نفسها تمارس الموسيقى، تعزف على آلة البيانو والقيثارة « الهارب » والغيتار عندما كان الموسيقار ليزت أو شوبان غائبين. وكذلك لا يمكن أن ننسى أن جدران قصر نوهان احتضنت الرقص والمسرح ـ مسرح العرائس ـ. والأدب كان يترجم إلى ممارسة يومية. كان الليل بالنسبة لسيدة البيت جورج صاند لا ينتهي إلا في الساعة السادسة فجراً. هنا كانت الكاتبة تهتم بالحديقة والحشرات والفراشات. وكانت تعتني أيضا بتصنيع الديكورات والأزياء للمسرح...
والمطبخ الذي ألفت فيه كتابا ضخما. فكانت مائدة الطعام تحتل مكانا هاما في اهتماماتها، وهي الأديبة العارفة بأسرار وجبة غذائية لا تقل أهمية عن تأليف رواية أو مسرحية أو مقالة في قصر نوهان. كانت الكاتبة تهتم أيضا بالطب ومشكلات التعليم والفولكلور والأثنوغرافيا المحلية والحفاظ على الآثار التاريخية والتقاليد والأركيولوجيا وفن الرواية والسياحة والرياضة وغيرها، ودون أن ننسى اهتمام سيدة المنزل بالحياة السياسية وعشاقها.
أدباء وفنانون عاشوا في قصرها
كثير من الكتاب والأدباء والفنانين رحلوا إلى قصر نوهان في القرن التاسع عشر بل عاشوا في كنفه ردحا من الزمن أمثال فرانز ليزت وماري دي اكولت سكناه لمدة طويلة. شوبان أمضى سبع فصول صيف هناك، وهي السنوات الأكثر خصبا في حياته حيث ألف أربعين عملا موسيقيا ن السونانيت والفالس. وبلزاك ظل هناك لمدة ثلاثة أيام يتناقش مع جورج صاند بقلب مفتوح. كما أن ديلاكروا ذهب عندما خصصت له مشغلا خاصا للرسم.
وكذلك فلوبير الذي عاش معها كما كان يذهب لزيارتها على الدوام كل من تيوفيل غوتييه وتورجنيف وبولين فياردو وأوجين فرومانتين والكسندر دوما الأبن وتيودور روسو.
شاكر نوري


